الخميس، 30 أبريل 2015
AVS Video Converter 9.1.2.572 + Crack
AVS Video Converter 9.1.2.572 + Crack
برنامج AVS Video Converter هو برنامج لمزق وحرق أقراص الفيديو الرقمية ، وتحويل الفيديو، وإنشاء الفيديو عالي الجودة ، ويمكن تحويل بين ملفات الفيديو الأكثر شهرة: AVI، MPEG، DVD، WMV، 3GP، FLV وغيرها. يمكنك أيضا إضافة القوائم وحرق أقراص الفيديو الرقمية لمشاهدتها على مشغل دي في دي مع أصدقائك وعائلتك.
حذف الأجزاء غير المرغوب فيها من الفيديو. تقسيم و تدوير، إضافة عناوين والائتمانات، وتطبيق أكثر من 50 تأثيرات الصوت والفيديو إلى الأفلام.
المتطلبات:
ويندوز XP، 2003، فيستا، 2008، ويندوز 7، ويندوز 8، ويندوز 8.1.
Description:
AVS Video Converter est un logiciel de haute qualité qui vous permet de ripper et de graver des DVD personnels, convertir la vidéo, créer des vidéos HD, découper, joindre, éditer, appliquer des effets, copiez les appareils mobiles! Il peut convertir entre les fichiers vidéo les plus connus: AVI, MPEG, DVD, WMV, 3GP, FLV et plus. Aussi vous ajouter des menus et de graver vos propres DVD à regarder sur votre lecteur DVD de salon avec vos amis et votre famille. Supprimer les parties non désirées de la vidéo. Split et rejoindre. Pivoter, ajouter des titres et des citations, appliquer plus de 50 effets audio et vidéo de vos films. Téléchargez-les directement à des dispositifs traitées Sony PSP, Apple iPod, Lecteur Média Portable (PMP), et GSM ou CDMA téléphones mobiles. Transférer des fichiers vidéo via Infrarouge, Bluetooth ou un câble USB. AVS Video Converter supporte le format Memory Stick Vidéo avec des vignettes de prévisualisation. Utilisez le mode Batch Video Converter - convertir plusieurs fichiers vidéo à la fois.
Joindre plusieurs fichiers vidéo et faire un DVD. AVS Video Converter possède une interface simple et facile à utiliser et prend quelques instants pour commencer à travailler. La dernière version a obtenu le multi-threading support de processeur, support de la vidéo HD et une meilleure interface.
Caractéristiques:
• Conversion vidéo entre presque tous les formats: HD Video (. Inc AVCHD, MPEG-2 HD et WMV HD), TOD, MOD, M2TS, AVI (DivX, Xvid, etc.), MP4 (. Inc Sony PSP et Apple iPod) , WMV, 3GP, QuickTime (MOV, QT), SWF, DVD, VOB, VRO, MPEG-1, 2, 4, H.263, H.264, Real Video, DVR-MS, MKV, FLV.
• convertir la vidéo pour divers appareils. AVS Video Converter comprend des réglages prédéfinis pour convertir la vidéo pour iPhone, iPad, iPod Touch, Samsung, tablettes Android, Sony PSP, le Kindle d'Amazon, les smartphones, les lecteurs multimédia portables, etc.
• Convertir dans le temps minimum - Profitez de lot et la conversion multithreading. Profitez de votre multi-core puissance du processeur.
• Créer un film DVD à partir de fichiers vidéo de tous les formats pris en charge. Utilisez DVD modèles de menu. Divisez votre film en chapitres. Observez-les sur votre lecteur DVD de salon.
• Gérer des vidéos de HD-caméras - HD-principaux formats sont supportés: AVCHD, MPEG-2 HD, WMV HD, TOD, MOD, M2TS, M2T, MTS, HDV. Modifier, diviser, découper les vidéos HD, ajouter du texte et des effets et de les convertir en DVD ou tout autre format vidéo supporté. Graver un disque DVD et le regarder sur votre lecteur DVD.
• Assurez-Ready vidéos pour le site Web - Flash SWF, Real Video ou WMV
• Directement de disque pour PC - Copier vidéos et des DVD à domicile pour disque dur
• Bandes originales Extraire et Images de Films - d'enregistrer les flux audio sous forme de fichiers audio, enregistrer des images simples comme des images.
• Modifier rapide et précise avec une Timeline - Supprimer les parties non désirées. Split et joindre des fichiers vidéo. Pivoter, ajouter des titres et des citations, appliquer plus de 50 effets audio et vidéo de vos films.
• Mode Batch Soutien - Convertir plusieurs fichiers vidéo à la fois. Joindre plusieurs fichiers vidéo et faire un DVD.
• Prise en charge multilingue. Interface AVS Video Converter et l'assistance technique sont disponibles en anglais, français, allemand, espagnol et italien.
Exigences:
Windows XP, 2003, Vista, 2008, Windows 7, Windows 8, Windows 8.1.
لتحميل البرنامج
لتحميل البرنامج
الحياء خلق كريم والحياء من الصفات الحميدة
الحياء خلق كريم والحياء من الصفات الحميدة
-----------------------
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
في صحيح البخاري عن أبي مسعود رضي الله عنه أن النبي قال: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت))(1)[1].
الحياء خلق كريم، والحياء من الصفات الحميدة، ولذا اتصف ربنا جل وعلا بالحياء ((إن الله حيي، يستحي أن يرد يدي عبده صفرًا إذا رفعها إليه))(2)[2].
فالحياء من الأخلاق الكريمة، من الأخلاق المتوارثة عن الأنبياء عليهم السلام: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى))، فهو خلق متوارثٌ من أخلاق الأنبياء، ونبينا صلى الله عليه وسلم قد رغب في الحياء، وحث عليه، وأخبر أن الحياء شعبة من شعب الإيمان، فيقول صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، أعلاها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان))(3)[3].
الحياء شعبة من شعب الإيمان، فالإيمان إما تنفيذ أوامر أو بعد عن النواهي، والحامل على البعد عن النواهي والمخالفات الحياء من ربنا جل وعلا، فكلما قوي الحياء في قلب المؤمن قوي حياؤه من الله أقبل على طاعة الله، وابتعد عن مناهي الله.
نعم، إنه يستحي من ربه، يعلم أن الله يراه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء من حاله، وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذالِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس:61].
حياء يحمل المسلم على تنفيذ أوامر الله والبعد عما نهاه الله عنه استحياءً من الله لما قام بقلبه من اطلاع الله عليه وعلمه بحاله، وأنه لا يخفى على الله من حاله شيء، قلّ ذلك أم كثر.
الحياء ـ أيها المؤمن ـ خلق فاضل يدعوك إلى التحلي بالفضائل والبعد عن الرذائل، الحياء يدعوك أن تخجل في نفسك، وتستحي من ربك، ثم تستحي من عباد الله.
الحياء ـ أيها المؤمن ـ يدعوك إلى أن لا تجاهر بالمعاصي ولا تعلنها، بل تتركها إن وفقك الله، ثم لو قدر أن زلت القدم فللمسلم حياء أيضًا يمنعه من أن يجاهر بالمعاصي ويشيع بها وينشرها ولا يبالي بها، ولهذا في الحديث: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين))، وذكر صلى الله عليه وسلم أن من المجاهرة أن يعمل الرجل العمل بالليل فيصبح ويقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، ((أمسى يستره ربه وأصبح يهتك ستر الله عليه))(4)[4].
فالمجاهرون بالجرائم والمعلنون لها الذين لا يبالون ماذا يفعلون، ولا يستحيون من الله، ثم لا يستحيون من عباد الله أن يراهم الناس وهم على خير أو شر، الكل عندهم سواء، لأن القلب إذا ضعف الحياء منه لا يبالي بما عمل، خيرًا كان أم شرًا، يعمل ما تهواه نفسه، ولو كان ذلك أمام الناس علانية، لأن الحياء قد فُقِد من قلبه فلا إحساس عنده، أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء [فاطر:8].
كلما قوي الحياء في القلب دل على قوة الإيمان، وكلما قوي الحياء استقامت حال الإنسان، وكلما قوي الحياء عظمت مروءته، وكلما قوي الحياء حسنت أخلاقه، وكلما قوي الحياء عظم بذله وعطاؤه، وكلما قوي الحياء تحلى بالفضائل كلها.
أيها المسلم، إن المسلم يستحي من ربه قبل كل شيء، فالغاية الاستحياء من الله، فهو حق أن يستحيى منه أن تفعل ما يخالف أمره أو ترتكب نهيه، فذاك قلة الحياء من الله، لماذا لا تستحي من ربك وهو الذي خلقك، وصورك في أحسن تقويم، ومنحك الصحة والسلامة والعافية؟! فأين الحياء من الله؟!
ثم أخي المسلم، تستحي حتى من نفسك، وتستحي من أهل بيتك أن تعمل عملاً تراه سيئًا، تخشى أن يطلعوا عليك أو ينظروا لحالك، فاستحياؤك منهم مما يدل على الرغبة في الخير، فإنك إذا استحييت اليوم فغدًا يكون ترك الشر خُلقا حميدًا.
إن المؤمن يستحي من ربه، ثم يستحي من عباد الله، إن المؤمن يستحي أن يقول أقوالاً بذيئة، أو يتحدث بألفاظٍ وقحة، ولهذا منع المسلم من أن يفشي ما بينه وبين امرأته، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن هذا بمنزلة شيطان لقي شيطانة(5)[5]، فمن الحياء كتمان ما بينك وبين امرأتك، وعدم إفشاء ما يجري بينك وبين زوجتك، فإن إفشاء ذلك قلة للحياء.
البعض من الناس ـ هدانا الله وإياهم ـ لا يبالون بالكلمات البذيئة، ولا بالكلمات الوقحة، ولا بالكلمات الهابطة، يتحدث بها بعضهم من غير خجل ولا حياء، وتلك ضعف في الإيمان، والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان كذلك، كان يلمِّح ولا يصرِّح، بل إذا تأملت كتاب الله تراه يذكر الفواحش مجملة من غير أن يفصل في جزئياتها.
فالتحدث بالكلمات السيئة والكلمات الهابطة، والتحدث بها على وجه الانبساط والمزح والضحك هذا ينافي الحياء المطلوب الذي ينبغي أن يتخلق به المسلم.
إن المسلم يدعوه حياؤه إلى الفضائل، فتراه يستحي من أن يطالب معسرًا يعلم أنه معسر يستحي أن يطالبه، ويخجل أن يلحق الضرر به، وإنما يمهله رجاء أن ييسر الله أمره، تراه يستحي أن يسأل الناس، أو يلتجئ للناس، أو يمد يده للناس، حياؤه يمنعه ولو كان فقيرًا، ولذا قال الله: لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273]، الحياء يمنعهم، يظهرون أمام الناس مظهر الغني في ملبسه وقلة شكايته، مظهرٌ حسن، يحسبه من يراه ذا غنى وثراء لعفة نفسه وترفعه عن سؤال الناس، والله يعلم ما في باطن أمره، لكن مظهره مظهر العزة والكرامة، لا تراه يسأل الناس ولا يتعرض لهم، ومن يراه يرى ملبسًا حسنًا، ويرى حياءً عظيما، ويرى عفة للنفس، والله يعلم ما في باطن أمره، وربما لا يملك قوت يومه وليلته.
وآخر من الناس انتزع الحياء منه، فتراه وراء الناس يلهث، يشحذهم ويسألهم في كل مناسبة تحدث، وربما حلف الأيمان على فاقته وفقره، وربما أتى بملبس وسخ وحالة سيئة قذرة، أو أظهر نفسه بأنه المصاب بالعاهات والمصائب، ليتوسل بها إلى الأخذ مما بأيدي الناس.
هذا قلة في الحياء، وعدم خجل من عباد الله، من يحمله قلة الحياء إلى أن تراه دائمًا مع أهله في خصام ونزاع وقلة صبر على أتفه الأسباب، لا يمنعه خجل أن يترك السؤال عن بعض الترهات، لكن لقلة حيائه لا يبالي أن يناقش في القليل والكثير من الأمور المادية التي يمكن الصبر عليها.
إن الحياء خلق كريم، ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق حياء، ما سئل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه(6)[6]، لبس يومًا بردة فسأله أحد الصحابة فأعطاه إياها، فقيل له: تسأله وأنت تعلم أنه لا يرد سائلا؟! قال: أريد أن تكون كفني، فكانت كفنه(7)[7].
فهو صلى الله عليه وسلم ما سُئل إلا أعطى، ولما أكثر السؤال عليه قال: ((إن الرجل ليسألني وأعطيه فيخرج بها يتأبطها جمراً))(8)[8].
إن حياءه صلى الله عليه وسلم جعله لا يرد سائلاً، بل يعطي كل من سأله ما وجد لذلك سبيلاً.
إن الحياء حقيقته القيام بالواجب، والبعد عن المنهيات، والتخلق بالفضائل، والبعد عن الرذائل القولية والفعلية، إن حياء المسلم يجمِّله ويزينه، وإن انتزاع حيائه يشينه، وفي الحديث الآخر: ((الحياء لا يأتي إلا بخير))(9)[9]، فما يتخلق به شخص حتى يكون أحسن الناس مروءة، وأحسنهم مجالسة، وأهذبهم أخلاقًا، وأقلهم شرًا، وأحسنهم نطقًا، وأطهرهم لفظًا.
هكذا يكون المسلم المتخلق بالحياء في كل أحواله، فتخلقوا بهذا الخلق الكريم لعلكم تفلحون.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].
بينما النبي صلى الله عليه وسلم قاعد عند بئر أريس، قد أنزل قدميه في البئر كاشفًا عن فخذيه، فاستأذن الصديق فأذن له فدخل، وجلس عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، واستأذن عمر فأذن له، فجلس عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، واستأذن عثمان رضي الله عنه، فغطَّى النبي فخذيه وقال: ((ألا أستحي من رجل تستحي منه ملائكة الرحمة))(10)[1].
فكان التستر وستر العورة وعدم إظهارها عنوان الحياء، والمتكشفون والمتهتكون في ملابسهم والذين لا يبالون بانكشاف عوراتهم يدل على قلة الحياء عندهم؛ ولذا قال بعض السلف: "المروءة والحياء خلق يتحلى به العبد رآه الناس أم غابوا عنه"، خلق يتحلى به المسلم رآه الناس أم غابوا عنه، فهو ملازم للحياء في كل أموره.
ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل فقيل: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك))، قال رجل: يا رسول الله، الرجل يكون مع القوم؟ قال: ((إن استطعت أن لا يرينها أحد فافعل))، قال: الرجل يكون وحده خاليًا؟ قال: ((الله أحق أن يستحيى منه من الناس))(11)[2].
فالمسلم ساتر لعورته سواءً بين الناس أو سواء في منزله؛ لأن كشفها ليس من أخلاق المسلمين.
إن قلة الحياء دعت كثيرًا من هذه القنوات الفضائية التي تنشر في مسلسلاتها الإجرام والفساد، تنشر الانحلال والانحطاط من القيم والفضائل، تنشر أحيانًا العلاقات الجنسية واضحة أمام الرائين، تنشر أفلامًا في غاية من الهبوط والسوء والإجرام.
إن المسلم ينبغي أن يحذر من مشاهدتها، ويحذر أولاده وبناته من مشاهدتها، ففيها من البلاء والفساد والتهتك والبعد عن كل خير ما الله به عليم، انحلالية والعياذ بالله، يصورون الرجال والنساء عراة بلا ملابس في حالة مزرية، إنها أفلام هابطة، وإنها مسلسلات إجرامية، تنزع الحياء من قلوب المؤمنين.
فالمسلم واجب عليه البعد عنها وأن يحذر بناته وأولاده من هذه المسلسلات الإجرامية، ومن هذه القنوات الفاضحة الدنية الساقطة التي تصور المجتمعات المنحلة، الذين يريدون إفساد خلق المسلمين، إفساد عقائدهم، وإفساد أخلاقهم، وتجرئتهم على الوقوع فيما حرم الله عليهم.
فاحذروا ذلك إخواني، احذروا هذه الأشياء، وحذِّروا منها، وتواصوا بعضكم بعضا بالبعد عنها، فهي ـ والله ـ مضادة للأخلاق والقيم، قاضية على كل الكرامة والفضيلة.
الحياء لا ينبغي أن يمنعك عن قول الحق، ولا عن التحدث بالحق، فالحياء الذي يمنع عن الحق هذا جبن وخور، ولذا تقول الصحابية: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: ((نعم، إذا رأت الماء))(12)[3]، فاسمع قولها: إن الله لا يستحي من الحق، فلا يمنعك الحياء أن تسأل عما أوجب الله علينا، وأن تستفسر عما أشكل عليك في أمور دينك ودنياك.
فالحياء المطلوب الحياء من الرذائل ونواقص الأخلاق، أما السؤال عن الحق والدعوة إلى الحق ونشر الهدى ودعوة الناس فإن هذا خير، ولا ينبغي أن يكون الحياء صارفاً عن هذه الأمور الطيبة.
أسأل الله أن يمنحنا وإياكم التوفيق لما يحبه ويرضاه، وأن يخلِّقنا بكل خلق يحبه ويرضاه، اللهم كما حسنت خلقنا فحسن أخلاقنا، إنك على كل شيء قدير.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم...
__________
(1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3484).
(2) أخرجه أحمد (5/438)، وأبو داود في الصلاة (1488)، والترمذي في الدعوات (3556)، وابن ماجه في الدعاء (3865) من حديث سلمان رضي الله عنه، وقال الترمذي: "حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه"، وصححه ابن حبان (880)، والحاكم (1/535)، ووافقه الذهبي، وجود الحافظ إسناده في الفتح (11/143).
(3) أخرجه البخاري في الإيمان (9)، ومسلم في الإيمان (35) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) أخرجه البخاري في الأدب (6069)، ومسلم في الزهد (2990) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) أخرجه أحمد (6/456-457)، والطبراني في الكبير (24/162-163) من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، قال الهيثمي في المجمع (4/294): "فيه شهر بن حوشب، وحديثه حسن وفيه ضعف"، وله شواهد قال الألباني في آداب الزفاف (ص144): "هو بها صحيح أو حسن على الأقل".
(6) أخرجه مسلم في الفضائل (2312) من حديث أنس رضي الله عنه.
(7) أخرجه البخاري في الجنائز (1277) من حديث سهل رضي الله عنه.
(8) أخرجه أحمد (3/4) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وعزاه المنذري في الترغيب (1/330) لأبي يعلى وقال: "رجال أحمد رجال الصحيح"، وكذا قال الهيثمي في المجمع (3/94) وزاد عزوه للبزار.
(9) أخرجه البخاري في الأدب (6117)، ومسلم في الإيمان (37) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
(10) الذي في صحيح مسلم في كتاب فضائل الصحابة (2401) وغيره من كتب الحديث أن هذه القصة حصلت في بيت عائشة رضي الله عنها، والله أعلم.
(11) أخرجه أحمد (5/3، 4)، وأبو داود في الحمام (4017)، والترمذي في الأدب (2769، 2794)، والنسائي في الكبرى (8972)، وابن ماجه في النكاح (1920) من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وقال الترمذي: "حديث حسن"، وصححه الحاكم (4/199)، وعلق البخاري جزأه الأخير بصيغة الجزم، قال الحافظ في تغليق التعليق: "إسناد صحيح إلى بهز، وأما بهز فمختلف فيه".
(12) أخرجه البخاري في الغسل (282)، ومسلم في الحيض (313) من حديث أم سلمة رضي الله عنها، والتي سألت النبي صلى الله عليه وسلم هي أم سليم امرأة أبي طلحة رضي الله عنهما.
(1/1999)
حكم الله تبارك وتعالى في الابتلاء عظيمة وكثيرة
حكم الله تبارك وتعالى في الابتلاء عظيمة وكثيرة
-----------------------
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
واعلموا أن الله تبارك وتعالى يبتلي عباده امتحانًا واختبارًا ليرى الشاكر منهم ومن يكون منهم كفارًا.
وعليه فإن الله إذا ابتلى عبده بأنواع البلايا والمحن أو بشيء منها فإن ردّ ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه، وجمع عليه قلبه وطرحه على بابه، فهو علامة سعادته وإرادة الخير له. والشدة بتراء لا دوام لها، وإن طالت فتقطع عنه حين تقلع، وقد عُوض منها أجل عوض وأنفعه، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردًا عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائيًا عنه، وانطراحه على بابه بعد أن كان نائياً معرضًا، وللوقوف على أبواب غيره متعرضًا، وكانت البلية في حق هذا عين النعمة وإن ساءته، وكرهها طبعه، ونفرت منها نفسه فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببًا ما مثله سبب. وقول الله تعالى في ذلك في سورة البقرة هو الشفاء والعصمة حيث يقول الله تبارك وتعالى:
وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:216].
وإن ردَّ ذلك البلاء إلى خلقه، وشرد قلبه عنه، وطغى ونسي ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه، فهو علامة شقاوته وإرادة الشرّ به، فإذا أقلع عنه البلاء ردّه إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه في السراء، كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء.
فبلية هذا وباء عليه وعقوبة ونقص في حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل.
فإذا ابتلى الله تبارك وتعالى عبده بمنحة فإنما يبتليه بها ليرى هل يكون من الشاكرين، وإذا ابتلاه بمحنة فإنما يبتليه بها ليرى هل هو من الصابرين، والسعيد الذي أريد به الخير يشكر في السراء، ويصبر في الضراء.
ومن أمثلة الذين ابتلاهم الله تعالى بالمنح والنعم فشكروا وعرفوا الفضل لصاحبه، والنعمة لوليها وأهلها والمبتدئ بها من أمثلتهم، نبي الله سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وعلى أنبياء الله ورسله أفضل الصلاة وأزكى التسليم. نبي الله سليمان آتاه الله ملكًا عظيمًا لما دعى ربه كما جاء في سورة "ص": قَالَ رَبّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص:35].
فكيف أجابه الله تبارك وتعالى؟ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَءاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى الاْصْفَادِ هَاذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَئَابٍ [ص:36-40]. له سوى ذلك وله على ذلك: عندنا زلفى: هو مقرب إلينا، وحسن مآب، عدا ما ملكناه وأعطيناه في الدنيا، ومع ذلك يقول سليمان عليه السلام في سورة النمل لما حُشر له جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون، وقالت النملة ادخلوا مساكنكم وسمعها وتبسم ضاحكًا من قولها لأنها قالت: ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [النمل:18]. قال: وَقَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ [النمل:19]. رب ألهمني أن أشكر نعمتك، وَقَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19].
انظروا، انظروا إلى هذا النبي الكريم الذي ما أطغاه ملكه ولا أنساه ربه مع أنه أوتي من الكل ما لم يؤتاه أحد ولن يؤتاه أحد لأنه قال: لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص:35].
هكذا ولما طلب من جنوده أن يأتوا بعرش ملكة سبأ، وشاورهم من الذي يستطيع أن يأتي بهذا العرش أسرع من غيره، استمع إلى قائل من عنده يقول: أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ [النمل:40]. ماذا قال؟ هل قال: هذا مُلكي؟ هذا صولجاني؟ هذه عدتي؟ هؤلاء جنودي أقوياء أقوى من غيرهم. لا. وحاشاه أن يقول ذلك. إنما قال: هَاذَا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى أَءشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل:40]. ليس هذا فحسب بل عقب فقال: وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [النمل:40]. ما ينال الله من شكره زيادة في ملكه ولا نفع، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ [النمل:40]. هكذا فليكن الشكر، هكذا فلتكن المعرفة بالله، المنعم المتفضل، وهكذا فليكن الثناء والحمد والشكر لله وحده.
فهلاَّ عرف ذلك أصحاب الأموال والجاه والمناصب وعادوا إلى الله تبارك وتعالى بالشكر على ما أولاهم، وانتبهوا إلى ما به ابتلاهم، فلم يطغوا بالأموال، ولم يستبدوا بالمناصب، ولم يسرفوا، ولم يبددوا هنا وهناك، قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال، ويتمنون عندما يرون البهائم تصير يوم القيامة ترابًا يقولون: "يا ليتنا كنا ترابًا".
ويقول الله تبارك وتعالى لواحد من المخلدين في نار جهنم: ((أرأيت لو كان لك ملئ الأرض ذهبًا أكنت تفتدي به)) فيقول: ((قد سُئلت ما هو أيسر من ذلك. أردت منك ألا تشرك بي وأنت في صلب أبيك آدم، فأبيت إلا أن تشرك بي))(1)[1].
هلا انتبه أصحاب الجاه والمناصب إلى الفارق الهائل بين مكانة سليمان عليه السلام في الدنيا والآخرة، وبين الطغاة الذين أعرضوا عن الله تبارك وتعالى وفيهم قوله عز وجل في المبتلين بالمنح والمحن في سورة الإسراء: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً [الإسراء:83]. معرض عند الخير يئوس عن الشر.
وقال في سورة هود: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ [هود:9]. يئوس كفور إذا نُزعت النعمة، فرح فخور إذا عادت وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيّئَاتُ عَنّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود:10].
هذه طبيعة أكثر الناس وأقلهم من يكبح جماع نفسه ويشكر ربه في السراء، ويصبر في الضراء.
ومن أمثلة المبتلين بالوقوع في المعاصي والمبتلين بالأمراض الذين لم ييأسوا ولم يقنطوا من رحمة الله. بل عادوا إليه صاغرين متذللين من أمثلتهم آدم عليه السلام أولهم.
لما ابتلى بالأكل من الشجرة رجع إلى ربه تائبًا نادمًا مشفقًا، قال هو وزوجه: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]. فتاب الله عليه، وأخبر أن الله تعالى تاب عليه كما في سورة البقرة:
فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37]. ألهمه أن يقول تلك الكلمات. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا [الأعراف:23]. فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:37]. الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون، ولا يتعاظمه ذنب، يقبل التوابين ويعفو عن سيئاتهم.
ثم كذلك نوح عليه السلام في سورة هود: قَالَ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الْخَاسِرِينَ [هود:47]. فأُجيب: قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ [هود:48].
وإبراهيم عليه السلام قال الله عنه في سورة الشعراء: الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِينِ [الشعراء:78-82]. فقال الله تبارك وتعالى عنه: إِنَّ إِبْراهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لاّنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَءاتَيْنَاهُ فِى الْدُّنْيَا حَسَنَةً [النحل:120-122]. فكيف سيكون حاله في الآخرة وَإِنَّهُ فِى الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [النحل:122].
ليس هذا فحسب بل أمُر نبيا محمد أن يتبع ملته قال له ربه: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:132].
وموسى عليه السلام لما اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه وأخذتهم الرجفة، قال: رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وَإِيَّاىَ [الأعراف:155] كما في سورة الأعراف، وكان ذلك بعد أن عبد قومه العجل، وعاد فحطم العجل، وألقاه في البحر حطامًا، ثم اختار سبعين رجلاً لميقات ربه، ذهب بهم فأخذتهم الرجفة قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وَإِيَّاىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ [الأعراف:155]. امتحانك واختبارك، وليس معنى الفتنة هنا الفعل المسيء بل الامتحان والاختبار. كما قال الله تعالى في سورة العنكبوت: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]. لا يمتحنون ولا يختبرون، هل ظنوا أن نتركهم من غير أن نمحصهم فنعرف الذين ليس لهم من الإسلام إلى القول، ليس لهم حظ إلى القول، فإذا ما ابتلوا لم تصدق أعمالهم أقوالهم وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3].
إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاةَ وَالَّذِينَ هُم بِئَايَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف:155-156].
ولما قتل موسى عليه السلام القبطي الذي تنازع مع الإسرائيلي قال: قَالَ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:16].
وأيوب عليه السلام الذي دعا ربه ورفع أكف الضراعة لربه وانطرح ببابه وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]. فكيف كانت الإجابة فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ وَءاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:84]. رحمة بأيوب وذكرى للعابدين ليعرفوا أن عليهم إذا ما ابتلوا بالأمراض والأسقام أن يلجأوا إلى الله تبارك وتعالى، وأن يكشفوا ببابه عن ذل وضراعة ودعاء، فإنّ الله تبارك وتعالى سميع عليم يجيب دعوة الداع إلى دعاه ولهذا قال: وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ، لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى الالْبَابِ [يوسف:111]. ليس قصصًا للتسلي والحكاية إنما فيه عبرة لمن؟ لأصحاب العقول لأولي الألباب.
وذو النون يونس عليه السلام، لما ابتلاه الله بالتقام الحوت له فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ اله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]. اعترف بالألهية لله وحده، ونزهه عن العيب وأضاف الظلم إلى نفسه قال: إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
أجيب: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذالِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88]. وكذلك ننجي كل مؤمن اغتم أو أهمه أمر كذلك ننجيه إذا قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
وهذا ما تضمنه دعاء سيد الاستغفار الذي علمناه رسول الله كما في صحيح البخاري عن شداد بن أوس رضي الله عنه: ((اللهم أنت ربي لا إله أنت أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت))(2)[2].
ففي أول هذا الدعاء اعتراف بالربوبية المتضمن لانفراد الله وحده، بهذا الخلق سبحانه وبعموم المشيئة ونفوذها واعتراف بالإلهية ويتضمن عبادته وحده لا شريك له، ويتضمن الاعتراف بالعبودية والتبرأ من كل وجه إليه سبحانه تبارك وتعالى، ((وأنا على عهدك ووعدك)) يتضمن التزام شرعه ودينه ووعدك مصدق بالموعود بالجزاء من الثواب ففيهما الإيمان والاحتساب، يؤمن ويحتسب عند الله ثواب إيمانه، ولما علم الله تعالى أن العبد لا يوفى هذا المقام حقه أن يكون على عهده ووعده قال (ما استطعت) أي على حسب الاستطاعة والقدرة ((أعوذ بك من شر ما صنعت)) يشهد لله بقوته وقدرته على أن يحميه من شر نفسه ومن عدوه، ويعترف بالذنب والتقصير، ثم ينسب النعم كلها إلى وليها ومولاها إلى الله تعالى فيقول:
((أبوء لك بنعمتك علي)) ويعترف بذنبه فيقول: ((وأبوء بذنبي))، فكأنه يقول: أنت المحمود المشكور لك الحمد كله، ولك الثناء كله، ولك الفضل كله، وأنا العبد المسيء المذنب المعترف بتقصيره، وذنبه المقر بخطئه ((أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي)) ولما قام بقلبه وتوسل بهذه الوسائل قال: ((فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)).
اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا.
ولله تبارك وتعالى في الابتلاء حكم عظيمة وكثيرة منها:
أنه يحب أن يرى من يتوب من عباده ومن يقنط من رحمة الله، ولهذا قالت الملائكة لإبراهيم عليه السلام لما بشروه بالغلام وقال لهم: أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَى أَن مَّسَّنِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقّ فَلاَ تَكُن مّنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ [الحجر:54-56].
يحب الله تبارك وتعالى أن يرى التوابين من عباده إذا ما ابتلوا بمرض أو بالوقوع في ذنب.
ولهذا قال الله تعالى في سورة الأنعام: وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَاكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنعام:42-43].
لم يتضرعوا إلى الله، لم يسألوه تعالى أن يتوب عليهم بل قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ [الأنعام:42].
يحب الله تبارك وتعالى أن يرى التوابين.
ومن حكمة الابتلاء أنه سبحانه يريد أن يعرف عبده عدة قضائه، ونفوذ مشيئته، وجريان حكمه، يحب أن يعرف العبد ذلك وأن قضاء الله تعالى وقدره سار عليه نافذ، ويحب الله تبارك وتعالى أن يعرف العبد أن الله هو الذي يحفظه ويصونه وهو محتاج إليه، فإذا تخلى عنه تناوشته الشياطين، ومدت يديها إليه، وتناوشته ومزقته كل ممزق، فحاجته إلى ربه عظيمة، ويحب الله تبارك وتعالى أن يستعين به عبده في أن يعيذه من شر نفسه، ومن عدوه.
ويحب ربنا تبارك وتعالى ألا يشمخ العبد بنفسه عندما يشهد في نفسه صلاحًا واستقامة، فإذا ما وقع في الذنب عرف أنه مسيء ومذنب ومخطئ فلم يشمخ بنفسه، وعرف أنه لما كان طائعًا كان ذلك بتوفيق الله عز وجل فلما حجب الله عنه توفيقه غلبته نفسه، وانكب على المعاصي والذنوب فهذه حكمة أخرى من حكم الابتلاء.
ويحب الله عز وجل أن يرى عباده سعة حلمه وكرمه، وأنه يعفو عنهم ويتقبلهم إذا ما رجعوا وتابوا ولن يعرفوا ذلك إلا من خلال موافقة الذنوب، فإذا شهدوا التقصير في أنفسهم علموا أن الله لن يعفوا عنهم إلا لأنه واسع الحلم كريم.
ويحب الله تبارك وتعالى أن يعرف عباده أن لا طريق إلى النجاة إلا بعفو الله ومغفرته، ليس بالعمل لأن الله تبارك وتعالى عندما يذنب العبد ويُبتلى بالوقوع في المعاصي يحب أن يريه أنه إذا عذبه فبعدله، وببعض حقه عليه، بل باليسير من هذا الحق، وأنه إن أنجاه فبعفوه ومغفرته كما تعرفون من الحديث: ((لن يدخل الجنة أحدكم بعمله)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل))(3)[1].
كذلك إن العبد إذا تربى في العافية لم يعرف ما يقاسيه المبتلون إذا عافاه الله من الأمراض والأسقام والوقوع في المعاصي والذنوب لم يعرف ما يقاسيه غيره من المرضى ومن الذين يقعون في الذنوب بسبب غلبة أنفسهم لهم فإذا ابتلي حينئذ عرف قيمة العافية وعرف مقدارها.
ثم إن من حكمة الله تبارك وتعالى أنه يريد أن يتعامل العبد مع إساءات الناس إليه ونزلاتهم معه بالعفو والصفح والمغفرة، فيتعامل مع ذنوبهم معه كما يحب أن يصنع الله بذنوبه، فكما يحب أن يصنع الله بذنوبه، فليتعامل مع إساءات الناس إذا اعتذروا وإذا تأسفوا وندموا، فليقل عثراتهم وليقل معاذيرهم وليتقبل منهم، مع إقامته لأمر الله فيهم.
إن رأى الله فيهم أمرًا قام به رحمة لهم لا قسوة ولا فظاظة عليهم.
وكذلك إذا شهد العبد تقصيره وخطأه وذنبه، علم أنه ليس له عند الناس حقوق في الإكرام يتقاضاهم إياها، ويذمهم على ترك القيام بها، لأنه ما دام مذنبًا مخطئًا مسيئًا فليست له الأشرفية والأفضلية على أحد، فلماذا يشكو من الناس ويحاسبهم ويقول: لقيني فلان فلم يبش في وجهي، ولقيني وأنا أمام بيته فلم يقل لي تفضل، إلى غير ذلك.
لو عرف العبد أنه مخطئ مذنب مسيئ لم يرى لنفسه فضلاً على غيره من المؤمنين بالله واليوم الآخر.
فاستراحت نفسه واستراح الناس من شكايته وتعبه، فما أقر عينه وما أهنأ باله وما أطيب عيشه، يستريح الناس من شكايته وتعبه.
فأين هذا ممن لم يزل عاتبًا على الناس شاكيًا لتركهم القيام بحقوقه، ساخطًا عليهم وهم عليه أسخط، لكنه إذا لقيه أحد فسلم عليه، وانبسط وجهه إليه، رأى أن ذلك تفضلاً ممن فعل معه مع فعل لأنه مذنب مسيء، مخطئ معترف بالتقصير فلا يرى لنفسه فضلاً على أحد.
ما دمت تُذنب كما يذنب الآخرون، وليس لك الكمال فإن عليك ألا ترى لنفسك فضلاً على أحد حتى تستريح وتُريح، ثم إن من حكم الله تبارك وتعالى إذا ما ابتلى عبده أن يشتغل بعد ذلك بعيبه؛ لأنه إذا أذنب عذر الآخرين الذين غلبتهم أنفسهم في ساعة من الساعات، فإن غلبت كذلك هو نفسه عذرهم واشتغل بعيوبه وغض الطرف عنهم، وتفرغ لعيوبه، وارتفع عن التفكير أو الخوض في عيوب الآخرين، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن شغلته عيوب الناس وتفرغ لها.
ثم بعد ذلك من الحكم العظيمة في الابتلاء أن يستغفر العبد لإخوانه المسلمين لأنه إن أذنب أحس بالحاجة إلى أن يستغفر له إخوانه فيصير هجيراه: رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات.
فسبحان ذي الحكمة الباهرة التي بهرت عقول العالمين.
__________
(1) البخاري (6538) ، ومسلم (2805) من حديث أنس بن مالك.
(2) البخاري (6306) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه.
(3) البخاري (573) ، ومسلم (2816) عن أبي هريرة بنحوه.
(1/2000)
الأسرة هي القاعدة الركينة التي تقوم عليها الجماعة المسلمة
الأسرة هي القاعدة الركينة التي تقوم عليها الجماعة المسلمة
-----------------------
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمدًا بن عبد الله وعلى آله وأصحابه.
فإن الأسرة هي القاعدة الركينة التي تقوم عليها الجماعة المسلمة، ويقوم عليها المجتمع الإسلامي، هذه القاعدة التي أحاطها الإسلام برعاية ملحوظة، واستغرق تنظيمها وحمايتها وتطهيرها من فوضى الجاهلية جهدًا كبيرًا. نراه متناثرًا في سور شتى من القرآن، محيطًا بكل المقومات اللازمة لإقامة هذه القاعدة الأساسية الكبرى. إن النظام الاجتماعي الإسلامي نظام أسرة، بما أنه نظام رباني للإنسان، هذا النظام ملحوظ فيه كل خصائص الفطرة الإنسانية وحاجاتها ومقوماتها، وينبثق نظام الأسرة في الإسلام من معين الفطرة وأصل الخلق وقاعدة التكوين الأولى للأحياء جميعًا والمخلوقات كافة، تبدو هذه النظرة واضحة في قوله تعالى من سورة الذاريات: وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات:49].
وفي قوله تعالى من سورة يس: سُبْحَانَ الَّذِى خَلَق الاْزْواجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الاْرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ [يس:36].
ثم تتدرج النظرة الإسلامية للإنسان فتذكر النفس الأولى التي كان منها الزوجان ثم الذرية ثم البشرية جميعًا، وذلك في قوله تعالى من سورة النساء: ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].
وفي قوله تعالى من سورة الحجرات: ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ [الحجرات:13].
ثم تكشف عن جاذبية الفطرة بين الجنسين لا تجمع بين مطلق الذكران ومطلق الإناث، ولكن تتجه إلى إقامة الأسُر والبيوت، وذلك كما في قوله تعالى في سورة الروم: وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21]. وفي قوله تعالى في سورة البقرة: هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ [البقرة:187]. وكذلك في سورة البقرة: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدّمُواْ لاِنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة:223].
وفي قوله تعالى من سورة النحل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا [النحل:80]. فهي الطفرة تعمل وهي الأسرة تلبي هذه الفطرة في إطارها الذي أذن الله فيه وأنعم به على بني آدم وجعله آية حَريّة بالتفكر، وبه أمر رسول الله وحثَّ عليه ورغَّب فيه.
والأسرة هي المحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الأفراخ الناشئة ورعايتها وتنمية أجسادها وعقولها وأرواحها، وفي ظله تُتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة، وعلى هديه ونوره تتفتح للحياة وتُفسر الحياة وتتعامل مع الحياة.
المحضن الطبيعي هو الأسرة، يخرج منها الأفراخ، وقد تطبعوا بما طبعهم عليه المسؤولان الأساسيان الكبيران عن هذه الأسرة الأب والأم.
وفي ظل هذه الأسرة تتفتح هذه الأفراخ للحياة، أي الأطفال، وتفسر الحياة وتتعامل مع الحياة. بناءًا على ما تربوا عليه بين الداعيين الأساسين الأب والأم.
والطفل الإنساني هو أطول الأحياء طفولة، لأن طفولته تمتد أكثر من أي طفل آخر للأحياء الأخرى. ذلك أن مرحلة الطفولة هي فترة إعداد وتهيؤ وتدريب للدور المطلوب من كل حي باقي حياته، ولما كانت وظيفة الإنسان هي أكبر وظيفة، ودوره في الأرض هو أضخم دور، امتدت طفولته فترة أطول ليحسُن إعداده وتدريبه للمستقبل. ومن ثَمَ كانت حاجته لملازمة أبويه أشد من حاجة أي طفل لحيوان آخر. وكانت الأسرة المستقرة الهادئة ألزم للنظام الإنساني، وألصق لفطرة الإنسان وتكوينه في هذه الحياة.
وقد أثبتت التجربة العملية أن جهاز الأسرة وحده هو الذي يصلح لهذا الدور، وأن أي جهاز غير جهاز الأسرة لا يعوضه عنها ولا يقوم مقامها؛ بل لا يخلو من أضرار مفسدة لتكوين الطفل وتربيته، وبخاصة نظام المحاضن الجماعية التي أرادت بعض المذاهب المصطنعة المتعسفة أن تستعيض بها عن نظام الأسرة في ثورتها الجامحة. أي في ثورة هذه المذاهب الشاردة المتعسفة ضد النظام الفطري الصالح القويم الذي جعله الله للإنسان.
ويزعم أناس حرموا أنفسهم نعمة السلام الذي أراده الله لهم؛ أن التقدم والحضارة والرقي أن تخرج المرأة إلى العمل دافعة بأطفالها إلى هذه المحاضن، بينما كان من أول ما أثبتته تجربة المحاضن أن الطفل في العامين الأولين من عمره يحتاج حاجة نفسية فطرية إلى الاستقلال بوالدين له خاصة. وبخاصة الاستقلال بأم لا يشاركه فيها طفل آخر. وفيما بعد هذه السن يحتاج حاجة فطرية إلى الشعور بأن له أبًا وأمًا مميزين يُنسب إليهما. والأمر الأول متعذر في المحاضن، والأمر الثاني متعذر في غير نظام الأسرة. ما هو الأمر الأول والأمر الثاني؟
الأمر الأول: الذي يلبي حاجة الطفل النفسية الفطرية إلى والدين له خاصة متعذر في المحاضن، والأمر الثاني الذي يلبي حاجة الطفل إلى أن له أبوين مميزين يُنسب إليهما متعذر في غير نظام الأسرة.
واي طفل يفقد أيهما ينشأ منحرفًا شاذًا مريضًا مرضًا نفسيًا على نحو من الأنحاء، وحين تكون هناك حادثة تحرم الطفل إحدى هاتين الحاجتين تكون لا شك كارثة في حياته.
فما بال الجاهلية الشاردة تريد أن تُعمم الكوارث في حياة الأطفال جميعًا. ومن ثم نجد النظام الاجتماعي الإسلامي الذي أراد به الله أن يدخل المسلمون في السلم وأن يستمتعوا في ظله بالسلام الشامل يقوم على ماذا؟ يقوم على أساس الأسرة ويبذل لها من الغاية ما يتفق مع دورها الخطير، ولهذا فإن الأحكام المتعلقة بالأسرة من زواج وعشرة وإيلاء وعدة ونفقة ومتعة ورضاعة وحضانة، لا تذكر مجردة في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله لا تُذكر مجردة:
لا يُقال النفقة قدرها كذا، والمتعة قدرها كذا، والطلاق والزواج, لا. بل تجئ في جو يشعر القلب البشري بأن يواجه قاعدة كبيرة من قواعد المنهج الإلهي للحياة البشرية، وأصلاً كبيرًا من أصول العقيدة التي ينبثق منها النظام الإسلامي، ومن ثم فإن هذا الأصل موكول بغضب الله تعالى ورضاه وعقابه وثوابه، فما من صغيرة ولا كبيرة في أمر الأسرة إلا وتلقى من الله سبحانه وتعالى عناية ورقابة.
وتجئ التعقيبات في نهاية الآيات المتعلقة بالأسرة، وأحيانًا بين ثناياها لتنبأ عن ضخامة هذا الأمر، فاقرأ آيات الله تعالى في أحكام الأسرة، وانظر وتأمل كيف يختم الله هذه الآيات؟، وكيف يُعقب عليها؟. وبماذا يأتي به في ثناياها يقول الله تعالى كما سمعتم في الآية السابقة؟.
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدّمُواْ لاِنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ [البقرة:223].الأمر بتقوى الله في أثناء الحديث عن حل النساء لأزواجهن على الوجه الذي عينه الله تبارك وتعالى وحدده لهم وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة:223].
يقول الله تبارك وتعالى في الإيلاء: فَإِن فَآءوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة:226]. التعقيب على أمر الإيلاء والرحمة بالفاء.
ويقول الله تبارك وتعالى في التعقيب على آيات أخرى متعلقة بالطلاق: وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ [البقرة:231]. وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:233]. ويقول في نهاية الحديث عن العدة: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:234]. ويقول في جواز التعريض بخطبة النساء اللاتي مات عنهن أزواجهن وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة:235].
ويقول كذلك في نهاية بعض آيات الطلاق وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237]. ويقول قبلها: وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:237].
ويقول في سورة النساء: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19].
وكرر الشرط والجزاء في سورة الطلاق فيقول: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْراً وَاللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّاتِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الاْحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [الطلاق:2-5]. ويقول رسول الله في بعض الوصايا والأحاديث التي جاءت فيها بعض أحكام الأسرة ((استوصوا بالنساء خيرًا)) كما في الصحيحين(1)[1].
ويقول في حق المرأة: ((لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو كنت آمرًا أحدًا بالسجود لأحد لأمرت المرأة بالسجود لزوجها ـ أن تسجد لزوجها ـ من عظم حقه عليها))(2)[2].
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي))(3)[3].
إلى غير ذلك من كلامه الشريف وإلى غير ذلك من كلام الله تعالى في كتابه العزيز، فهي أحكام يناط تنفيذها بتقوى القلب، وحساسية الضمير؛ لأنّ الاحتيال على النصوص والأحكام ممكن في غير هذا الوازع الحارس المستيقظ.
فإننا عندما نقرأ قول الله تعالى في سورة النساء: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النّسَاء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127].
نرى أن ظاهرة سؤال المسلمين الأوائل واستفتائهم في بعض الأحكام ظاهرة لها دلالتها من اليقظة والرغبة في مرضاة الله وهي العناصر البارزة في هذه الفترة على الرغم من بقاء بعض رواسب الجاهلين قبل أن يقبض رسول الله من بين أظهرهم، على الرغم من ذلك فالمهم هو رغبتهم الحقيقية القوية في مطابقة أحوالهم لأحكام الإسلام والاستفسار عن بعض الأحكام بهذه الروح، لا لمجرد المعرفة والعلم والثقافة كمعظم ما يوجه للمفتين في هذه الأيام من الاستفتاءات، لا. لقد كانت بالقوم حاجة إلى معرفة أحكام دينهم لأنها هي التي تكون نظام حياتهم الجديدة، وكانت بهم حرارة لهذه المعرفة؛ لأنّ الغرض منها إيجاد التطابق بين واقع حياتهم وبين أحكام دينهم، وكان بهم انخلاع من الجاهلية وإشفاق من كل ما كان فيها من تقاليد وأحوال وأوضاع وأحكام، مع شدة إحساسهم بقيمة هذا التغير الكامل الذي أنشأه الإسلام في حياتهم، أو بتعبير أدق بقيمة هذا الميلاد الجديد الذي ولدوه على يد الإسلام.
ونجد جزاء هذا كله، جزاء حرارتهم وجزاء صدق عزيمتهم على الإتباع وجزاء تطلعهم لله، نجد جزاء هذا كله عناية من الله ورعاية؛ لأنّه سبحانه بذاته العلية يتولى بنفسه افتاءهم فيما يفتونهم فيه وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النّسَاء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127].
وتدرجت الأمور وساءت الأحوال بمرور القرون والأزمان بعد أن كان الأوائل يسألون ويستفتون حتى تطابق أحوالهم أحكامهم، أصبحت الأحكام تعرض على المسلمين غضة طرية جلية فيأبون الامتثال والخضوع والإذعان لها والتسليم، لم يعد أحد إلا قليل ممن رحم الله يسأل عن أحكام دينه ليطابق حاله أحكام الإسلام، وعاد الكثير إذا ما عرضت عليهم الأحكام تبرموا وتنصلوا منها. فمن كان قبل الأوائل في السؤال عن أحكام الدين للانخلاع من الجاهلية وعاداتها وأوضاعها وأحكامها، ومطابقة حاله لأحكام دينه فليحمد الله، ومن كان غير ذلك فليحاول أن يكون كالأوائل.
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم…إن التشبه بالكرام فلاح
__________
(1) البخاري (3331) ، ومسلم (1468).
(2) صحيح ابن حبان (ترتيب ابن بلبان 9/470).
(3) صحيح ابن حبان (ترتيب ابن بلبان 9/484).
(1/2001)
دورالمرأة في الرعاية والحماية والعناية بالأسرة المسلمة
دورالمرأة في الرعاية والحماية والعناية بالأسرة المسلمة
-----------------------
-----------------------