الاثنين، 27 أبريل 2015

بابَ الإحسان


بابَ الإحسان

-----------------------

الحمد لله ربّ العالمين، يجيب السائلين، ويحبّ المحسنين، أحمد ربِّي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ المتقين، وأشهد أنّ نبيَّنا وسيّدنا محمّدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إنَّ غايةَ الإسلام الكبرى وتشريعاتِه العظمى هي الإحسانُ إلى النّفس والإحسان إلى الخلق، فبهذا الإحسان إلى النّفس والإحسان إلى الخلق تكون منازلُ النّاس عند ربهم في الدّنيا والآخرة قُربًا وبُعدًا، وبهذا الإحسان تكون منزلة الإنسان عند الخَلق قَبولاً ونُفورًا. ولكون المأمورات والفرائض والمحرّمات والمنهيّات كلِّها ترجع إلى الإحسان فقد كتبَه الله وافترضه في تشريعه، عن أبي يعلى شدّاد بن أوس رضي الله عنه، عن النبيّ قال: ((إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة، وليُحدَّ أحدكم شفرتَه، ولْيُرح ذبيحته)) رواه مسلم(1)[1].

فقوله : ((إنّ الله كتب الإحسانَ على كلّ شيء)) له معنيان:

المعنى الأوّل: إنّ الله تعالى كتب الإحسانَ في كلّ شيء من الأعمال الواجِبة، بأن يؤدِّيَها المسلم على وجه الكمال في واجباتها، ويجتهدَ في مستحبّاتها، وأن يُحسِن في ترك المحرّمات بالانتهاء عن ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120]. فالإحسان بأداء الفرائضِ وترك المحرّمات إحسانٌ إلى النّفس، وأعظمُ الإحسان إلى النّفس توحيدُ الله تعالى بعبادة الله وحدَه لا يُشرك به شيئًا، وما بَعد ذلك تابعٌ لهذا الأصلِ العظيم.

والمعنى الثاني: إنّ الله كتب الإحسانَ على كلّ أحد إلى كلِّ مخلوق، فالإحسان إلى كلِّ مخلوق بحَسَبه.

وقد أمر الله تعالى بالإحسان أمرًا مطلقًا عامًّا، فقال تعالى: وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195]، وقال عزّ وجلّ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

وأمر بالإحسان مقيَّدًا مفصلاً، فأمر بالإحسان إلى الوالدين، وأمر بالإحسانِ إلى الأقرباء وإلى الجار والفقراءِ والضعفاء، وبالإحسان إلى المنكوبين بكوارثَ كونيّة أو عدوّ نازل، وبالإحسان إلى اليتامى وغيرهم.

والإحسان إلى الخلق معناه بذلُ الخير وكفُّ الشرّ.

وأجمع الآيات في كتاب الله تعالى التي تأمر بالإحسان إلى النّفس والإحسان إلى الخلق قوله تعالى: وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً [النساء:36]، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْى [النحل:90].

ومعنى قوله تعالى: وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى: الجار المسلم القريب.

وَالْجَارِ الْجُنُبِ الكافر كما في حديث جابر رضي الله عنه، عن النبي أنّه قال: ((الجيران ثلاثة: جارٌ له حقّ واحد وهو أدنى الجيران حقًّا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق وهو أفضل الجيران حقًا. فأمّا الذي له حقّ واحد فجارٌ كافر لا رحِم له له حقّ الجوار. وأمّا الذي له حقّان فجار مسلم له حقّ الإسلام وحقّ الجوار. وأمّا الذي له ثلاثة حقوق فجارٌ مسلم ذو رحِم له حقّ الإسلام وحقّ الجوار وحقّ الرحم)) رواه البزار في مسنده وأبو نعيم في الحلية(2)[2].

وأمّا الصاحب بالجنب ففسّره طائفة من أهل العلم بالزّوجة، وفسّره بعضُهم بالرفيق في السّفر، ويدخل فيه الصّاحب في الحضر من باب أولى.

ومِن أعظم الإحسان إلى الخلق معاملةُ النّاس بمقتضى الشرع الحنيف، بالوفاء والصّدق والعدل والرّحمة والتواضع والصّبر والاحتمال والقول الحسن، وأن تعاملَهم بما تحبّ أن يعاملوك به، قال الله تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وقال تعالى: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً [النحل:91]، وقال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، وقال تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]، وقال عزّ وجلّ: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، وفي الحديث عن النبي : ((الراحمون يرحمُهم الرحمن))(3)[3]، وقال عزّ وجلّ: وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً [الفرقان:63]، وقال تعالى: وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصلاةَ وَءاتُواْ الزكاةَ [البقرة:83]، وقال عزّ وجلّ: وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((يا عقبة، ألا أخبرك بأفضلِ أخلاق الدنيا والآخرة؟! تَصِلُ من قطعك، وتعطي من حرمَك، وتعفو عمَّن ظلمك)) أخرجه أحمد والحاكم(4)[4]، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي قال: ((ما مِن شيء يوضَع في الميزان أثقل من حُسن الخلق، وإنَّ صاحبَ حُسن الخلق ليبلغ به درجةَ صاحب الصّوم والصلاة)) رواه أحمد وأبو داود والترمذي(5)[5].

فحُسن الخلق من الإحسان إلى النّفس ومن الإحسان إلى الخلق، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ قال: ((لقد رأيتُ رجلاً يتقلَّب في الجنة في شجرةٍ قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي المسلمين)) رواه مسلم(6)[6].

فأحسِنوا ـ عبادَ الله ـ إلى نفوسكم وإلى خلق الله تعالى، بما أمركم به من الطاعات، وبترك ما نهاكم عنه من المحرّمات، قال الله تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاواتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:133، 134].

إنّ الإحسان الذي كتبه الله على كلّ شيء وأمركم به يعمُّ الإنسانَ والحيوان والدوابّ، قال الله تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7، 8]، وقال: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً [طه:112]، والظلمُ هو أن يعاقبَ بسيّئات غيره، والهضم أن يُنتقصَ من ثواب حسناته، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء:40]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((بينما رجلٌ يمشي بطريق اشتدّ عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرِب ثم خرج، فإذا كلبٌ يلهَث ويأكل الثّرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي قد كان بي من العطش، فنزل البئرَ، فملأ خفَّه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلبَ، فشكر الله له فغفر له))، قالوا: يا رسول الله، إنَّ لنا في البهائم أجرًا؟! فقال: ((في كلِّ كبِد رطبةٍ أجر)) رواه البخاري ومسلم(7)[1]، وفي رواية لهما: ((بينما كلبٌ يطيف بركيَّةٍ قد كاد يقتله العطشُ إذ رأته بغيّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقَها، فاستقت له به، فسقته فغُفر لها به))(8)[2]، والموق هو الخفّ. وفي الحديث عن النبي قال: ((ما مِن إنسانٍ يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو دابّة إلا كان له صدقة))(9)[3].

فاتقوا ربَّكم عباد الله، والزَموا بابَ الإحسان الذي كتبه الله عليكم، بالإحسان إلى أنفسكم بطاعة ربكم وتركِ محرمّاته، والإحسان إلى الخلق بما أُمرتم به، يُدخلْكم ربُّكم مدخلاً كريمًا، ويصرف عنكم عذابًا أليمًا.

إنّ الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56]، وقد قال : ((من صلّى عليَّ صلاة واحدةً صلّى الله عليه بها عشرًا)).

فصلّوا وسلِّموا على سيّد الأوّلين والآخرين وإمام المرسلين.

اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

اللهمّ وارضَ عن الصحابة أجمعين...

__________

(1) أخرجه مسلم في الصيد والذبائح (1955).

(2) أخرجه البزار كما في تفسير ابن كثير (1/496)، وأبو نعيم في الحلية (5/207) من طريق محمد بن أبي فديك، عن عبد الرحمن بن الفضل، عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن جابر، وقال البزار: "لا نعلم أحدا روى عن عبد الرحمن بن الفضل إلا ابن أبي فديك"، وقال أبو نعيم: "غريب من حديث عطاء عن الحسن، لم نكتبه إلا من حديث ابن أبي فديك"، وضعفه العراقي كما في فيض القدير (3/367)، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص138): "روي هذا الحديث من وجوه أخرى متصلة ومرسلة ولا تخلو كلها من مقال"، وضعفه العجلوني في كشف الخفاء (1/393)، وهو مخرج في السلسلة الضعيفة (3493).

(3) أخرجه أحمد (2/160)، وأبو داود في الأدب (4941)، والترمذي في البر (1924) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم (4/159)، ووافقه الذهبي، وصححه الحافظ في الفتح (3/158)، وهو مخرج في السلسلة الصحيحة (925).

(4) أخرجه أحمد (4/148، 158)، والحاكم (7285) واللفظ له، وأخرجه أيضا الروياني في مسنده (157)، والطبراني في الكبير (17/269، 270)، والبيهقي في الشعب (6/222، 261)، قال المنذري في الترغيب (3/232) والهيثمي في المجمع (8/188): "أحد إسنادي أحمد رجاله ثقات"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2536).

(5) أخرج جزأه الأول أحمد (6/442، 451)، والبخاري في الأدب المفرد (270)، وأبو داود في الأدب (4799)، وصححه ابن حبان (481). وأخرجه بتمامه الترمذي في البر (2003)، وعزاه المنذري في الترغيب (3/271) للبزار وقال: "إسناده جيد"، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (1629).

(6) أخرجه مسلم في البر (1914).

(7) أخرجه البخاري في الأدب (6009)، ومسلم في السلام (2244).

(8) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3467)، ومسلم في السلام (2245).

(9) أخرجه البخاري في المزارعة (2320)، ومسلم في المساقاة (1552) من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: ((ما من مسلم)).

(1/2775)


صفاتِ الأخيار وصفاتِ الأشرار


صفاتِ الأخيار وصفاتِ الأشرار

-----------------------

الحمد لله ذي المجدِ والكرَم، الذي خلق الإنسان وعلّمه القلم، أحمده سبحانه على عظيم نعمائه، وأشكره على عطائه، وأشهد أن لا إله إلا الله الأعز الأكرَم، وأشهد أن نبيّنا وسيّدنا محمَدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إنّ مِن الناس مَن هو من مفاتيح الخير، ومنهم من هو من مفاتيح الشرّ، وكلاهما يلقَى جزاءَه في الدّارين، قال النبيّ : ((طوبى لمن كان مفتاحًا للخير مغلاقًا للشرّ، وويل لمن كان مغلاقًا للخير مفتاحًا للشرّ))(1)[1]. والخير كلُّه ما دعا إليه الدين الإسلامي وأمر به، والشر كلُّه ما نهى عنه الدين الإسلامي وحذَّر منه.

وذكر الله صفاتِ الأخيار وصفاتِ الأشرار، فقال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَمًا وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ الها ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذالِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:63-69]، كما ذكر الله صفات المجرمين المفسدين لنحذَر أعمالهم، قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَاكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12]

وأعظمُ الإفساد في الأرض الشرك بالله تعالى في عبادته، واتباعُ الهوى لأنّه يصدُّ عن الحقّ، وقتل النفس التي حرّم الله عزّ وجل قتلَها وعصم دمَها وعظَّم خطرَ قتلها في كلّ شريعة، قال الله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذالِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْراءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32]، وجاء في الوصايا العشر لموسى : "لا تتَّخذ إلهًا غيري في السّماء أو في الأرض، أكرِم أباك وأمَّك، لا تقتُل، لا تزنِ، لا تسرِق، لا تشهَد على قريبك شهادةَ زور، ولا تشتَرِ حقلَه ولا ثورَه ولا حِماره" إلى آخر هذه الوصايا العشر في التوراة، وجاءَ عيسى عبدُ الله ورسوله إلى بني إسرائيل وكلمتُه ألقاها إلى مريم العابدة، جاء ليؤكِّد هذه الوصايا العشر، وأكَّدها داود وغيره من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسّلام، وأنزل الله تعالى على سيِّد المرسلين سيّد البشر محمّد عشرَ وصايا عظيمة في شريعته الغرّاء التي اتَّفقت مع شرائِع الأنبياء قبلَه في أصل الشريعة، قال الله تعالى: شَرَعَ لَكُم مّنَ الِدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ [الشورى:13]، ونسخت شريعةُ نبيّنا الشرائعَ التي قبلَها، وحفِظ الله كتابَها من الزّيادة والنقصان إلى يوم القيامة، قال الله تعالى في هذه الوصايَا العشر: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَادَكُمْ مّنْ إمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ ذالِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذالِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَاذَا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذالِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:151-153].

ففي هذه الوصايا العشر العظيمة حرَّم الله قتلَ النّفس، وقال تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، وفي الحديث عن النّبيّ : ((لا يزال المؤمنُ في فسحةٍ من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا)) رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما(2)[2]، وفي الحديث عن النبي : ((من قتل معاهدًا أو ذمِّيًا لم يرح رائحة الجنة))(3)[3]، والمعاهد المستأمن في هذا العصر هو الذي أُعطي إقامةً من الإمام أو نوّابه وهو غيرُ مسلم، فإنّ هذا الوعيد الشديد على قتله يمنَع المسلمَ أن يتعرَّض له.

وإنَّ ما وَقع في من تفجيرات وقتل قُتِل بسببه مسلمون وغيرُ مسلمين عملٌ إجراميّ وإرهابي شنيع، لا يقِرُّه دين ولا يقبله عرف، والإسلام بريء من هذا الفعل الإرهابيّ، والمنفِّذون له مفسِدون في الأرض مجرمون قَتَلة، قد باؤوا بجُرم عظيم، يحاربه الإسلامُ أشدَّ المحاربَة ويدينه أشدَّ الإدانة، ويستنكِر هذا التخريبَ والإرهاب كلُّ ذي عِلم ودين وعَقل، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْى [النحل:90].

وقد جمع هؤلاء القتلة ـ والعياذ بالله ـ المفسدون بين قتل النفوس الآمنة وبين قتلِ أنفسهم، ظلماتٌ بعضها فوق بعض، واللهُ قد توعّد من قتَل نفسَه بالعذاب الأليم في جهنّم، فكيف بمن قتل النفسَ المحرّمة؟! قال تعالى: وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذالِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء:29، 30]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: ((من تردَّى من جبلٍ فقتل نفسَه فهو في نار جهنّم يتردَّى فيها خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومن تحسّى سُمًّا فقتل نفسَه فسمُّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسَه بحديدة فحديدتُه في يده يتوجَّأ بها في بطنه في نار جهنّم خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا)) رواه البخاري ومسلم(4)[4].

وهذا العملُ خيانة وغَدر، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا [النساء:107]، وترويعٌ للآمنين. إنّ هذا الإجرامَ تحاربه مناهجُ التعليم لدَينا، ويحاربه علماء هذه البلاد، ويحاربه أئمّة الحرمين الشّريفين، ويحاربه مجتمعُنا ككلّ. والمناهجُ الدينيّة لدينا مبنيَّة على قولِ الله الحقّ، وعلى قول رسول الله الحقّ، والحقّ خيرٌ كلّه للبشرية، ولا يترتّب عليه باطل، وإذا شذَّ في الفكر شاذّ فشذوذه على نفسه، كما هي القاعدة في الإسلام، قال الله تعالى: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، وقال تعالى: وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ [النساء:111]، وهل يُلقى باللّوم على النحل كلِّه إذا جنت أعدادٌ منه ثمرةً سامّة.

وولاّة أمر هذه البلادِ بالمرصاد لمن يَسعى بالقتل والتّدمير أو الإفساد الذي يستهدِف الأمنَ، انطلاقًا ممّا توجبه الشريعة الإسلاميّة من الحفاظ على دماءِ الناس وأموالهم وحقوقِهم، ينفِّذون فيه ما تحكم به الشريعة.

ونحذِّر بعضَ الشّباب المغرَّر بهم من الفِكر الخارجيّ الذي يكفِّر الأئمّة، ويكفِّر من لم يوافِقه، فقد أمَر الله بطاعة وليِّ الأمر في غير معصيَة، قال الله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((من كرِه من أميره شيئًا فليصبِر، فإنّه من خرج من السلطان شِبرًا ماتَ ميتةً جاهليّة)) رواه البخاري ومسلم(5)[5]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأميرَ فقد أطاعني، ومن يعصِ الأميرَ فقد عصاني)) رواه البخاري ومسلم(6)[6]، وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((من أهانَ السلطانَ أهانَه الله)) رواه الترمذي(7)[7].

وانظر كيف ذمَّ النبيّ الخوارجَ غايةَ الذمِّ في قوله : ((تحقرون صلاتَكم مع صلاتهم، وصيامَكم مع صِيامهم، وقراءتكم مع قراءتِهم، يمرُقون من الدّين كما يمرق السّهمُ من الرّميّة))(8)[8]، فتلقّي الكتابِ والسنة على الراسخين في العلم والتمسّكُ بفهم السلف الصالح رضي الله عنهم هو المخرَج من الفِكر الخارجيّ.

ونحن المسلمين مطالبون من شريعتِنا الإسلاميّة بمحاسبة من يشذّ من المسلمين بما شرع الإسلام من أحكامٍ توقف المعتدِي عندَ حدّه وتكفُّ شرّه عن الناس، قال الله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205].

كما يطالب المسلمون الغربَ باحترامِ مصالحِ الشعوب الإسلاميّة والعربية، وعدمِ إهدارها أو تناسيها أمامَ المصالح الغربيّة؛ لأن احترامَ حقوق الشعوب العربيّة والإسلامية يحقِّق العدالة، ويوفِّر تبادلَ المصالح التي تحتاجها كلُّ الشعوب، ويوفِّر الخيرَ، قال الله تعالى: ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْمًا لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحياةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33].

اشكُروا نعمَ الله الظاهرةَ والباطنة التي أسبغها عليكم، فقد أنعمَ عليكم لتعبدوه، وأعطاكم لتسلِموا له الوجوه، ومنَّ عليكم لتطلبوا مرضاتِه وتبتعدوا عن محرَّماته، قال الله تعالى: كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النحل:81].

حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تحاسَبوا، ولا تحتقِروا أيَّ نعمَة من نِعم ربِّكم، فليس في نعم الله حقير، وليسَ في آلائه صغير، فالنّعم تحتاج إلى شكرٍ وإلى صَبر.

واعلموا أنَّ عليكم من الله حافظًا، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ونيّاتكم ومقاصِدكم وإراداتِكم، يُحصي الله ذلك في كِتاب، ويومَ القيامة يقول الله لكلِّ إنسان: اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14]، ويقول تعالى في الحديث القدسي: ((يا عبادي، إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفِّيكم إيّاها، فمن وجَد خيرًا فليحمدِ الله، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه))(9)[1].

واعلَموا أنّه لا ينفَع أحدًا دخَل النارَ نعمٌ تمتَّع بها في الدنيا، ولا يضرّ أحدًا دخل الجنّة بؤسٌ وشدّة جرت عليه في الدنيا، قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207]، وفي الحديث عن النبي : ((يؤتَى بأنعم أهل النار في الدنيا، فيُغمَس في النار ويقال له: يا ابن آدم، هل مرّ عليك نعيم قطّ؟ فيقول: لا والله، ما مرَّ عليَّ نعيم قطّ. ويؤتَى بأشدِّ النّاس بؤسًا من أهل الجنّة، فيغمَس في الجنّة ويقال له: هل مرّ بك بؤسٌ قطّ؟ فيقول: والله، ما مرّ بيَ بؤس قطّ)) رواه مسلم(10)[2].

فاحذروا النّارَ وخافوها واتركوا سبلَها، فإنّ حرَّها شديد، وقعرها بعيد، وطعام أهلِها الزّقوم والضريع، وشرابهم المهلُ والصديد، ولباسهم القطران والحديد، وعذابهم أبدًا في مزيد، واطلبوا جنّةً عرضها السموات والأرض، لا يفنى نعيمها ولا يبيد، يجدّد الله النعيمَ المقيم لأهلها، قال الله تعالى: لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35].

عبادَ الله، إنَّ الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال عزّ من قائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

فصلّوا وسلِّموا على سيّد الأوّلين والآخرين وإمام المرسلين.

اللهمَّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد...

__________

(1) أخرجه ابن ماجه في المقدمة (238)، وابن أبي عاصم في السنة (298)، وأبو يعلى (7526)، والروياني (1049)، وأبو نعيم في الحلية (8/329-330) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه بنحوه، وقال أبو نعيم: "غريب من حديث سهل، لم يروه عنه إلا أبو حازم، تفرد به عنه عبد الرحمن فيما أعلم"، وعبد الرحمن بن زيد شديد الضعف. وفي الباب عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أخرجه ابن ماجه (237) وإسناده ضعيف أيضا.

(2) أخرجه البخاري في الديات (6862).

(3) أخرجه البخاري في الديات، باب: إثم من قتل ذميا بغير جرم (6914) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وليس فيه: ((أو ذميا)).

(4) أخرجه البخاري في الطب (5778)، ومسلم في الإيمان (109).

(5) أخرجه البخاري في الفتن (7053، 7054)، ومسلم في الإمارة (1849).

(6) أخرجه البخاري في الجهاد (2957)، ومسلم في الإمارة (1835).

(7) أخرجه الترمذي في الفتن (2224) وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وأخرجه أيضا الطيالسي (887)، وأحمد (5/42، 48)، وابن أبي عاصم في السنة (1017، 1018)، والبزار (3670)، والبيهقي في الكبرى (8/163)، وصححه الألباني في صحيح السنن (1812).

(8) أخرجه البخاري في فضائل القرآن (5058)، ومسلم في الزكاة (1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بنحوه.

(9) جزء من حديث أبي ذر رضي الله عنه الطويل في تحريم الظلم، أخرجه مسلم في البر (2577).

(10) أخرجه مسلم في صفة القيامة (2807) من حديث أنس رضي الله عنه بنحوه.

(1/2778)

الفسادُ في الأرض خُلُق اللئام من البشر


الفسادُ في الأرض خُلُق اللئام من البشر

-----------------------

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

دينُ الإسلام دينُ الخير والعدلِ والإحسان، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ [النحل:90]. دين الصلاح والإصلاح، يدعو إلى الخير وينهى عن الشرّ والفساد، وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا [الأعراف:56].

الفسادُ في الأرض إجرام، وأيُّ إجرام أعظم من فساد في الأرض؟! نهى عنه ربّنا جلّ وعلا، وتتابعت رسُل الله وأنبياؤه ينهَون عن الفساد في الأرض، قال نبيّ الله صالح عليه السلام لقومه: وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ ءالآء اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرْضِ مُفْسِدِينَ [الأعراف:74]، ونبيُّ الله شعيب يقول لقومه: وَياقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرْضِ مُفْسِدِينَ [هود:85]، ونبي الله موسى يخاطب أخاه نبيَّ الله هارون قائلاً له: اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف:142]، وصالحو البشر يخاطبون قارون قائلين له: وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:77].

الفسادُ في الأرض خُلُق اللئام من البشر، والله لا يحبّ المفسدين ولا يصلِح عملَهم، قال تعالى عن أعدائه اليهود: وَيَسْعَوْنَ فِى الأرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة:64]، وقال موسى مخاطبًا آلَ فرعون، قال لهم: مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81].

وعندَ تدبُّر كتابِ الله والتأمُّل فيه نرى في كتاب الله تحذيرًا عن أنواع الفساد؛ ليكون المسلم على حذرٍ من أيِّ نوع من أنواعها. فقد بيَّن الله في كتابه أنّ الكفرَ به والصدَّ عن سبيله ضربٌ من ضروب الفساد: الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ [النحل:88]. وبيّن تعالى أنَّ إضلالَ الناس وتشكيكَهم في دينهم وصرفَهم عن الطريق المستقيم فساد في الأرض، وهو خُلُق المنافقين، قال تعالى عنهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَاكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12]. وبيَّن تعالى أنَّ السخريةَ بالمؤمنين وإلحاقَ التُّهَم بهم وهم بُرآء منها ضربٌ من ضروب الفساد، قال تعالى عن قوم فِرعون أنّهم قالوا لهم: أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الأرْضِ وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ [الأعراف:127]، وفرعون يقول لقومه عن موسى: إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الأرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26]، فسمَّى دينَ موسى فسادًا، وهكذا من وصف أهلَ الإيمان والاستقامة والثباتِ على الحقّ بنوع الإفساد فإنّه داخل في هذا العموم.

ومن الفسادِ في الأرض الصدُّ عن سبيل الله واتّخاذ ذلك عِوَجا، قال تعالى عن شعيب عليه السلام أنّه قال لقومه: وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف:86]. ومن الفسادِ في الأرض العدولُ عن الحقِّ بعد معرفتِه، فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران:63]. مِن الفساد في الأرض سرقةُ الأموال الخاصّة والعامّة، قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الأرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ [يوسف:73]. من الفساد في الأرض البدعُ المخالفة لشرع الله، في الحديث: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ))(1)[1]. من أنواع الفساد سفكُ الدّماء المعصومة ـ دماء المسلمين أو المعاهدين ـ بغير حق، فذاك ضربٌ من ضروب الفساد، سفكُ الدّماء وإراعة الآمنين فسادٌ في الأرض، مِنْ أَجْلِ ذالِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْراءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة:32]، إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرْضِ ذالِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33].

إنّ قصدَ القتل وإراعة الآمنين جريمةٌ نكراء، كبيرةٌ من كبائر الذنوب، في الحديث: ((لَزَوَالُ الدّنيا أهونُ على الله مِن قتل المسلم))(2)[2]، وفي الحديث: ((لا يزال العبدُ في فسحة من دينه ما لم يصِب دمًا حرامًًا))(3)[3]. إنّ زعزعةَ أمن الأمّة وإراعةَ الآمنين جريمةٌ نكراء، فيها سفكُ الدم المعصوم بغير حق، فيها ترويع الآمنين، فيها إعانة أعداء الإسلام على المسلمين، وهذا مِن أعظم الضلال والمصيبة أن يسعَى العبد في إذلال أمّتِه من غير أن يفكِّر ويتأمَّل، فكلّ هذا ضلال وفساد، مَن سعى في إذلال الأمّة وإيقاع المصائب بينها فذاك والعياذ بالله ساعٍ في الأرض فسادًا شاء أم أبى، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ يُذَبّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص:4].

فليحذَر المسلم أن يكونَ من أهلِ الإفساد من حيث لا يشعر، وليتدبَّر أمرَه، وليتَّق الله فيما يأتي ويذر، وليفكِّر في أيِّ أمرٍ يريده، وليعرِض ذلك على الكتاب والسنة، ليعلَم الخطأ مِن الصواب، فإنّ مَن كان الهوى يقودُه أضلَّه بغير هدى.

إنّ الله جلّ وعلا رتّب على الفساد عقوبةَ عظيمة، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحياةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:204-206]، وقال: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الأرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوء الدَّارِ [الرعد:25].

إنّ سببَ الفساد ذنوبُ العباد ومعاصيهم، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ [الروم:41]، وَمَا أَصَابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30].

إنّه لا نجاةَ للعباد إلا إذا حارَبوا الفساد، سواء اعتقاديّ فكريّ عمليّ، قال تعالى: فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الأرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ [هود:116]. إنّ المؤمنَ يفرح للمؤمنين بالطمأنينة والأمن والاستقرار، هكذا يفرح بذلك المؤمن، وغيرُ المؤمن يسوؤه ذلك، امتلأ قلبه حقدًا على أهل الإسلام، وكراهيةً لنعم الله على المسلمين، فسعى في الأرض فسادًا والعياذ بالله، دلَّ ذلك على فسادِ الدين وقلّة الخوف من الله، على التصوُّر الخاطئ الذي يعرِض لكثير من النّاس. إنَّ عدوَّ الله إبليس لا يبالي بالعبد، إن رأى فيه صعودًا إلى الخير ربَّما أغواه حتّى صعد به فغلا غلوًّا أخرجه عن الطريق المستقيم، أو هوى به إلى الحضيض فنأى به عن الخير وأهلِه، وإنّما النجاة في التمسُّك بصراط الله المستقيم، قال جلّ وعلا في كتابه العزيز: وَأَنَّ هَاذَا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام:153].

يا مَن انخدَع بكثير من هذه الآراء الباطِلة أو تصوَّر هذا الباطلَ حقًّا، وقد عرفتَ عِظمَ الجريمة وخطرَها وشرَّها، فبادِر بالتّوبة إلى الله والنّدم على ما مضى والعزيمة أن لا تعودَ إلى هذا الباطل، بادِر بالتوبة إلى الله فالتوبةُ بابُها مفتوح، تخلّص من هذا الفساد بكلِّ أنواعه، وتُب إلى الله من هذه الجريمة، والله يقول: قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

إنَّ من تصوَّر حلَّ دماء المسلمين وأنّ دماءهم أمرُها يسير فقد ارتكب أمرًا عظيمًا وجُرمًا كبيرًا، وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء:93]، و((من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة))(4)[4].

فالمسلم يجِب أن يتّقي الله في نفسه، ولا يستعجلَ في أموره، ويتصوَّر كلَّ ما يُدلى إليه، ويزن الأمورَ بالميزان الشرعيّ حتى يسلمَ من دعاة السوء ومروِّجي الباطل والساعين في خداع الأمّة وإذلال الأمّة، ليكن المسلم على حذرٍ مِن هذه الطوائف المختلفةِ والأفكار الهدّامة الآتية للأمة من خارج حدودها، لا يكن مطيةً للأعداء، يسخِّرونه كيف يشاؤون، ويدبِّرون له كيف يريدون، بل ليكن عندَه علم ووعيٌ وحصانة إيمانية، يتصوَّر الباطلَ على حقيقته حتّى يكونَ بعيدًا منه، فمن المصائب التباسُ الحقّ بالباطل، أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء [فاطر:8].

فيا شبابَ الأمّة، اتقوا الله في أنفسكم، وتبصَّروا في واقعكم، واعلموا عظيمَ نعمة الأمن التي تعيشون فيها، فهي نعمةٌ عظيمة سابغة، تفضَّل الله بها عليكم، فاشكروا الله على نعمته، واسألوه الثبات على الحقّ، وتعوَّذوا بالله من زوال النعم وتحوّل العافية وفجاءة النقم، انظروا واعتبروا حال من فقدوا الأمنَ كيف يعيشون، وكيف حالُهم الآن، تدبَّروا غيْركم لتعرفوا واقعَكم وما أنتم فيه من النعم، فلا يتَّخذكم الأعداء مطايًا لهم ليقضوا بكم أغراضَهم وينفِّذوا على أيديكم مخطّطاتِهم، لتكونوا على حذر في أموركم كلّها، فهذا واجبُ المسلم الذي يتّقي الله، الذي يرجو الله ويخافه، أن يتّقيَ الله في المسلمين، يتّقي الله في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، يستقيم على الخير، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويبذل النصيحةَ بالضوابط الشرعية والأصول المرعية التي لا تخلُّ بتوازنه، أمّا أن يكونَ والعياذ بالله في قلبه حِقد أو غلّ، يرى أنّ دماءَ المسلمين حلال، لا يبالي بذلك، فذاك والعياذ بالله نوع من النفاق والفساد.

إنّ الخوارجَ في عهد أصحابِ محمد لمّا تنكَّبوا عن الطريق المستقيم وأعرضوا عن الصحابة أئمّة العلم والهدى وانخدعوا بأهوائهم وآرائهم وانخدعوا بمن زيَّن لهم الباطلَ استحلّوا دماءَ المسلمين وقاتلوا المسلمين، كل ذلك والعياذ بالله وهم ينتسِبون إلى دين، لكن سوءُ الفهم وقلّة الإدراك وعدمُ الوعي حملهم على ما حملهم عليه، فليحذَر المسلم سلوكَ هذه الطرق الباطلة، وتدبّروا حالَ أممٍ خاضوا في دمائهم، فقتل بعضهم بعضًا، فقدوا الأمنَ، وفقدوا الخير، وصاروا بعدَ الغِنى في فقر، وبعد العزّة في ذلّ

لي وقفاتٌ ثلاث: وقفة مع رجالِ الصّحافة والإعلام، ووقفةٌ أخرى مع شبابِنا المسلم، ووقفة أخرى مع الدعاةِ ورجال التربيّة والتّعليم. كلّ هذه الوقفات إنّما يُراد بها الإصلاحُ والدّعوة إلى الخير بما يحقِّق للأمَة صلاحَها واستقامتَها.

أولاً: فيا شباب الإسلام، اتّقوا الله في أنفسكم، واتّقوا الله في دينكم وأمّتكم.

أيّها الشابّ المسلم، ربّما عرضَت لك شبهة، أو زيّن لك أحدٌ أمرًا وحسّن لك رأيًا، فيا أخي الشابّ المسلم اتّق الله، وإيّاك أن تقبَل كلَّ ما أدلِي إليك، وإيّاك أن تغترَّ بمن تظنّه ناصحًا والله يشهد إنّهم لكاذبون. اتّصِل بعلمائك وعلماءِ أمّتك لتجدَ عندَهم كشفًا لشبهتك، وإزالةَ للبس العارض لك. إن يكن عندك شبهةٌ أو اضطراب في أمر فإيّاك أن تقبلَ من أناسٍ لا ثقة في دينهم، ولا ثقةَ في علمهم وتصوّرهم. اتَّق الله في ذلك، فاعرِض كلّ الشبَه على علماء أمّتك، فإنّ علماءَ أمّتك هم حريصون على تبيين الحقّ وكشفِ كلّ لبس حصل عندك حتى تكونَ في أمورك على المنهج القويم. ولا تنخدعْ بنفسك، ولا تسئ الظنَّ بعلماء أمّتك، ولا تقل كما يقول المتطاولون والكاذبون: أولئك كذا وأولئك كذا. لا، اتّق الله، وأتِ الأمورَ من أبوابها، وسترى عند أهل العلم من رحابةِ الصدر وسعةِ الأفق وحسن التعامل ما ـ إن شاء الله ـ يزيل عنك كلَّ الشبَه التي يمكِن أن يكونَ غرَّك بها مَن غرّك وخدَعك بها مَن خدَعك حتّى ظننتَ أنّ الأخطاءَ والفساد حقّ وصلاح، ظننتَها لقصور علمك ومعرفتك، فأتِ علماءَ الأمّة، واسألهم عمّا أشكل عليك، واعرض عليهم الشبهَ التي عرضَت لك حتّى يكونَ أمرك واضحًا، فيوضحون لك الحقّ، ويبيِّنون لك الباطل، ويزيلون عنك كلَّ لبس عرض عليك، حتى تكونَ في أمورك على منهج قويم وصراط مستقيم، أمّا أن تغترَّ بما يقال، تسمَع من هذه الاتصالات أمورًا يقولونها ونشراتٍ ينشرها من لا يدرَى عنه، وإنّما يريد غشَّ الأمّة والكذبَ وترويجَ الباطل، فهذا أمر لا يجوز أن تعتمدَ عليه، ولا أن تثقَ به، وإنّما ائتِ علماءَ أمّتك، واسألهم عمّا أشكلَ عليك، واعرِض لهم كلَّ الشبَه التي عرضَت لك، لترى كشفَها وإزالتها على وفق ما دلّ الكتاب والسنة عليه إن شاء الله.

رجالَ الصحافة والإعلام، اتّقوا الله في أنفسكم، واتّقوا الله في أمّتكم، إنّه وللأسف الشديد نقرأ كثيرًا مِن المقالات التي تنشر في الصحف، يريدون بها حلَّ مشكلة ولكن للأسف الشديد أن حلَّهم زاد الأمرَ شرًّا وسوءا، يريدون حلَّ المشكلة ولكن ما كتبوه زاد المشكلةَ إشكالاً زائدًا. بعضهم يحمل هذه الفتنَ والمصائب وينسِبها إلى مذاهب السلف الصالح، وربّما طعنوا في أئمة الدعوة السلفيّة الصالحة، وقالوا: إنّها كتُب ودعوات تدعو إلى الإرهاب وتكفير المسلمين، ويبرأ إلى الله علماءُ الأمّة من ذلك، فأئمّة الدّعوة السلفيّة سائرون على المنهج القويم، لا يكفّرون الناس، ولا ينشرون الباطلَ، وإنّما يطبّقون النصوصَ الشرعيّة على حسب ما دلّ الكتاب والسنّة عليه، فليس في علماء الدّعوة السلفيّة من يحكم على الناس بالكفر، وليس فيهم من يبدّع الناس ويضلّل الناس، إنما هم في حكمهم على الآخرين على وفق ما دلّ الكتاب والسنّة عليه، يوضحون الحقّ ويبيّنونه، ومَن خالف الحقّ بعدما استبان له الأمر وخالف أصولَ الشريعة حكموا عليه بما حكم الله عليه ورسوله، فأعداءُ هذه الدعوة السلفيّة نسَبوا إليها تكفيرَ العموم، ونسَبوا إليها ما نسبوا إليها، ولهذا لمّا عُرض على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله مقالاتُ أعدائه الذين قالوا: إنّ الشيخ يقول: النّاس كلّهم كفار، والنّاس كلّهم ضلاّل، قال تحتها: سبحانك هذا بهتان عظيم. ما كانوا يكفِّرون النّاس، وما كانوا يحكمون إلا بأحكام الشريعة الواضحة المنهج.

فيا أيّها الكتَّاب، اتّقوا الله في أنفسكم، وعالجوا مشاكلَ المجتمع على ضوء الكتاب والسنة. إياكم أن يزلّ اللسان بما قد يوقع الإنسانَ في المهلكة، ((إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من سخط الله ما يظنّ أن تبلغَ ما بلغت يكتب الله له بها سخطَه إلى يوم يلقاه))(5)[1].

أيّها الدعاة إلى الإسلام، أيّها العلماء والمربّون، اتّقوا الله في أنفسكم، واجعَلوا من منهَج تدريسكم تبصيرَ شبابنا وتوعية شبابِنا، إن شعرتم بشيء مما يخالف الشرع فناقشوهم وحاوروهم، وكونوا معهم حتّى تزيلوا ما علق بالنفوس من شبَه، تزيلوها بالحقّ الواضح والمنهج القويم، فلا غلوَّ ولا إفراط، لا تطرّف ولا إفراط، وإنّما عالِجوا القضايا بحكمة، واحتووا هذا الشبابَ وبصِّروهم وبيِّنوا لهم الأخطاء، وقِفوهم على الحقيقة، وعالِجوا الأمرَ بحكمة فإنّ هذا الشبابَ إذا لم يحتوِه العلماءُ والمربّون ويأخذوا على أيديهم ويرسموا لهم المنهجَ القويم فإنّ هذا الشبابَ أمانة في الأعناق لا بدّ من احتوائهم، ولا بدّ من التلطّف معهم، ولا بدّ أن نزيلَ عنهم كلَّ ما علق بأذهانهم مِن دعاة الإفراط والغلو، من دعاة الفساد والضّلال، ممّن يريدون بالأمّة الشرّ والبلاء، عصم الله الجميع من كلّ سوء.

ويا أيّها الآباء الكرام، اتّقوا الله في أبنائِكم، اتّقوا الله فيهم واعتَنوا بتربيتِهم، واسألوهم عن كلّ ما عِندهم، وإذا شمَمتم من أحد شيئًا ممّا يخالف الشرع فاحرصوا على التحاقهم بأحد العلماء وذوي الرأي السديد، ليكشفوا عنهم هذا الباطل، ويبيّنوا لهم الحقّ، ويهدوهم إلى صراط الله المستقيم.

إنَّ تعاونَ المجتمع على البرّ والتقوى أمر مطلوب، وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]. إنّ من يعين المفسدين أو يؤويهم أو يتستّر عليهم أو يرضى بأفعالهم فهو شريك لهم في الإثم، وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2]. فاحذر ـ أيها المسلم ـ أن تعينَ مفسدًا، واحذَر أن تؤويَ مفسدًا، واحذر أن ترضى بعمل المفسدين، فإنك إن رضيتَ بعمله فأنت شريك له في الإثم والعياذ بالله، وفي الحديث: ((لعن الله من آوى محدِثًا))(6)[2]، فإيواؤه التستّر عليه، وإيواؤه عدمُ الكشف عنه، وإيواؤه الرضا بأفعاله وأقواله وتصرّفاتِه. ليكن المسلم على حذَر أن يعينَ على باطل أو ينصرَ باطلا، بل يكون مع الحقّ ينصر الحقَّ ويدعو إليه.

أسأل الله أن يجمعَ القلوبَ على طاعتِه، وأن يهديَ ضالَّ المسلمين، وأن يثبّت مطيعَهم، وأن يرزقَ الجميعَ الاستقامة على دين الله والتمسّكَ بوحيه الكريم، إنّه على كل شيء قدير.

أن أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسولِه محمّد، كما أمركم بذلك ربّكم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الراشدين...

__________

(1) أخرجه البخاري في الصلح (2697)، ومسلم في الأقضية (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(2) أخرجه الترمذي في الديات (1315)، والنسائي في المحاربين (3922) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال الترمذي: "وفي الباب عن سعد وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة وعقبة بن عامر وابن مسعود وبريدة"، وأشار إلى أن وقفه أصحّ من رفعه، وكذا رجّح وقفه البيهقي في الكبرى (8/22)، ورمز له السيوطي بالصحة، وصححه الألباني في غاية المرام (439).

(3) أخرجه البخاري في الديات (6862) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بنحوه.

(4) أخرجه البخاري في الديات (6862) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(5) أخرجه مالك في الموطأ (1848)، وأحمد (3/469)، والترمذي في الزهد (2319)، وابن ماجه في الفتن (3969) من حديث بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه، وقال الترمذي: "وفي الباب عن أم حبيبة، وهذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (281)، والحاكم (1/107-108)، وهو في السلسلة الصحيحة (888).

(6) جزء من حديث أخرجه مسلم في الأضاحي (1978) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

(1/2780)


التحذير من خوض غمار التكفير


التحذير من خوض غمار التكفير

-----------------------

إنّ الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبده ورسوله، اللهمّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.

إنّ المخالفةَ عن أمر رسول الله والإعراضَ عن هديِه ومنابذة سنّته سببُ الذل، وأصلُ البلاء، ونذير الشّؤم، ومدرجة الوقوع في الفتن، وطريق العذاب الأليم. وقد حذَّر سبحانه العبادَ من التردّي في وهدة هذه المخالفة، مبيّنًا أنّ العاقبة في نبذ سبيل الاتّباع والحيدة عنه هي الإصابة بالفتنة والإصابة بالعذاب الأليم، فقال جلّ وعلا: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63] الآية. وأوجب سبحانه التأسيَ به صلوات الله وسلامه عليه مبيّنًا أنّه القدوة الحقّةُ لكلّ مؤمن بالله واليوم الآخر، يستعصِم بها من الضّلال، ويبلغ بها ما يأمل من الرّضوان ونزول رفيع الجنان، فقال عزّ وجلّ: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب: 21]. وإنّ الفتنَ التي تصيب مَن هجر سبيلَ الاتّباع وجانَب طريقَ التأسّي صنوفٌ وألوان، لا يكاد يحيط بها الحَصر، غيرَ أنّ مِن أعظم هذه الفِتن خطرًا وأشدِّها ضَررًا فتنة التكفير التي أحدثت في الحياة الإسلاميّة فسادًا عريضًا، عمَّ كلَّ جوانبها، وأدخل على المجتمع المسلم من الشرِّ والنُكر والبلاء ما لا مزيدَ عليه.

إنَّ التكفير ـ أي: الحكم بالكفر ـ أمرٌ خطير، يستبين خطرُه وشدّة ضرره بمعرفة ما يترتَّب عليه من حِلِّ دمِ المكفَّر وماله، والتفريق بينه وبينَ زوجه، وقطع الأواصر التي تربطه بالمسلمين، فلا توارثَ بينه وبينهم، ولا ولاءَ له، وإذا ماتَ لم يغسل ولم يكفَّن ولم يصلَّ عليه، ولم يدفَن في مقابر المسلمين، ولذا فقد جاء في صحيح السنة التحذيرُ الشديد والوعيد الزاجرُ لمن استباح هذا الحِمى وخاض غمارَ هذا البَحر اللّجِّيِّ بغير علم ولا هدًى ولا كتابٍ منير ولا دليل أمين تقيٍّ نقيٍّ يخاف الله واليوم الآخر، ففي الصحيحين عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنّه سمع النبيَّ يقول فذكر الحديث وفيه: ((ولا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدَّت عليه إن لم يكن صاحبُه كذلك)) وهذا اللفظ للبخاري في صحيحه رحمه الله(1)[1].

وقد عُنِي ببيان الحقّ في هذه المسألة وتفصيل القول فيها علماءُ أهل السنّة والجماعة الذين يستضيؤون في تقريرهم وإيضاحهم بأنوار الوحيين، ولا يقدّمون على الدليل الصحيح شيئًا، ولا يرتضون عنه بديلاً، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وتحقيقُ الأمر فيها ـ أي: في هذه المسألة ـ أنّ الشخصَ المعيَّن الذي ثبَت إيمانُه لا يحكَم بكفره إن لم تقم حجّةٌ يكفُر بمخالفتها وإن كان القول كفرًا في نفس الأمر، فقد أنكر طائفةٌ من السلف بعضَ حروف القرآن لعدَم علمهم أنّها منه، فلم يكفَّروا، وعلى هذا حمَل المحقِّقون حديثَ الذي قال لأهله: ((إذا أنا متُّ فأحرقوني))(2)[2]، فإنّه كان جاهلاً بقدرة الله عليه إذا فعل ذلك، وليس كلّ من جهِل بعض ما أخبر به الرسول يكفر؛ لأنّ ثبوتَ حكم التّكفير بحقّه متوقّفٌ على تحقّق شروطٍ وانتفاء موانع" انتهى كلامه يرحمه الله(3)[3].

 أنّ العلمَ بتحقّق الشروط وانتفاء الموانع لا يتأتَّى لكلّ أحد، ولا يصحّ أن يُترك نهبًا للاجتِهاد والآراء، بل هو مِن شأن أهلِ العلم من القضاة والمفتين المعتبَرين وأمثالهم من أعضاء المجامع والهيئات الشرعيّة المعتمَدَة المعتبَرة. والمقصودُ أنّ هذا القولَ المحرّر المتين الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الذي بيّنه وما برح يبيّنه أهل العلم في هذه البلاد المبارَكة منذُ عهدِ الإمامَين المصلحَين المجدِّدَين محمّد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله رحمة واسعةً إلى عصرنا هذا الحاضِر، وذلك ممّا هو معلوم مشهور مرقوم بخصوصهم، منشور موثَّق في كتبِهم ورسائلهم ودروسِهم وفتاواهم، تلك التي عمَّت الآفاقَ، وتقبَّلتها في كثير من ديار المسلمين عقولٌ منصِفة متجرّدة وقلوبٌ محِبّة نقيّة من شوائب الدعايات المغرِضة وأوضار التّهَم الجائرة وأوزار الدعاوى المفتقِرة إلى البيّنات والبراهين، إذ ليس في هذا المنهج النبويّ والطريق السلفيّ إلا العودةُ بالمسلمين إلى نقاء هذا الدّين وصفائه الذي كان عليه في القرون المفضّلة قبلَ أن تعكِّر صفوَه البدع والمحدثاتُ والمقالات والآراء والنّحل والأهواء التي أظلمت بها جوانبُ الحياة الإسلاميّة قاطبة، وكانت من أظهر أسباب تأخُّر المسلمين وتخلُّفهم حتّى أصبَحوا في ذيل القافلة بعدما كانوا القادةَ فيها.

وإنَّ هذا النهجَ المبارك ـ ما يزال مرفوعَ اللّواء بحمدِ الله على ربوع هذه البلاد المباركة، وما يزال ـ كما كان دائمًا ـ منارًا للقاصدين وضياءً للحائرين وقرّةَ عينٍ للموحّدين وهدًى وشفاءً لما في صدور العالمين، لا يضيره ولا يَضرُّه مخالفة من خالفه ولا عداءُ من عداه، فإنّه إن شاء الله منصورٌ مؤيَّد بنصر الله وتأييده وحِفظه ورعايتِه، ثمّ بما نراه ويراه كلّ عاقل متجرِّد من دَعم وتأييد ومساندة ولاّة أمر هذه البلاد الطيّبة، ومعهم ومِن ورائهم أهلُ العلم والفضل والخير والإصلاح من رجالها ونسائها وشبابِها وشيوخها وأطفالِها، في تكاتُفٍ وتعاضدٍ فريد، وتآزر يُرضي الله ورسولَه إن شاء الله، ويسرُّ ويُعجب المؤمنين الصادقين، ويغيظ ويكبت الحاقدين والشانئين والمُرجفين ومن لفَّ لفَّهم واتَّبع سبيلهم من المخرّبين والمفسدين والشاذّين الذين يبرَأ إلى الله منهم ومِن سوء ما قدَّمت أيديهم كلُّ مؤمن صادق مخلِص لله ورسوله يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربِّه، في كلِّ الديار وفي جميع الأمصار، فما كان لمؤمنٍ صادق إلاّ أن يستجيبَ لله وللرّسول إذا دعاه لما يُحييه، وما كان له إلا أن يصيخ سمعَه لنداء القرآن وكلام الرحمن الذي يدعوه إلى النجاة بقوله سبحانه: وَأَنَّ هَاذَا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذالِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 153].


إنّ العناية بالمعتقَد الصّحيح دراسةً لأصوله وفهمًا لقواعدِه ومعرفة لأدلّته وعملاً بما يقتضيه، هذه العنايةُ هي من أظهر أسبابِ السلامة من تأثير كلِّ فكرٍ نُنكره أو كلِّ معتقَد نرفضُه، لمنابذته الأدلّة من كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا وفهم سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فتوصَد بذلك الأبوابُ دون كلِّ مبتغٍ فتنةً أو مبتدِع بدعة أو مثير فرقةً أو متَّبع غيرَ سبيل المؤمنين، وتكون العاقبة خيرًا تنعكس آثارُه وحدةً على الخير وتآزُرًا على الحقّ وتعاونًا على البرّ والتقوى واجتماعًا على التّوحيد والسنّة والإيمان.

فاتّقوا الله عبادَ الله، واعمَلوا على كلّ ما تبلُغون به رضوانَ الله، بمتابعةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستمساك بهديه والحذَر من المخالفة عن أمره، تكونوا من المفلحين.

واذكروا أنَّ الله تعالى قد أمَرَكم بالصلاة والسلام على خاتم النبيّين وإمام المتّقين ورحمة الله للعالمين، فقال سبحانه في الكتاب المبين قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب: 56].

اللهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الأربعة...

__________

(1) أخرجه البخاري في الأدب (6045)، ومسلم في الإيمان (61).

(2) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3481) وفي الرقاق (6481)، ومسلم في التوبة (2756، 2757) من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما.

(3) انظر: مجموع الفتاوى (7/619)، والاستقامة (ص164) بمعناه.

(1/2782)


الخميس، 23 أبريل 2015

CCleaner v5.05.5176 With Business + Professional crack


CCleaner v5.05.5176  With Business + Professional crack

كلنر هو الأداة رقم واحد لتنظيف جهاز الكمبيوتر . لأنه يحمي خصوصيتك على الإنترنت، ويجعل جهاز الكمبيوتر أسرع وأكثر أمنا. سهلة الاستخدام وصغيرة وسريعة التحميل.

ينظف جميع المجالات من جهاز الحاسب الآلي

برنامج Internet Explorer

الملفات المؤقتة، التاريخ، الكوكيز، أوتوكمبلت شكل التاريخ، index.dat.

فايرفوكس

الملفات المؤقتة، التاريخ، الكوكيز، تاريخ التحميل، وشكل التاريخ.

جوجل كروم

الملفات المؤقتة، التاريخ، الكوكيز، تاريخ التحميل، وشكل التاريخ.

الأوبرا

الملفات المؤقتة، التاريخ، الكوكيز.

سفاري

الملفات المؤقتة، التاريخ، الكوكيز، والتاريخ شكل من الأشكال.

ويندوز

سلة المحذوفات، المستندات الأخيرة، والملفات المؤقتة وملفات الدخول.

السجل النظيف

ميزات متقدمة لإزالة القيود غير المستعملة والقديمة التسجيل.

ملاحظات الإصدار

v5.04.5151 (25 مارس 2015)

- أضيفت تضمين العناصر الخيار لتجاهل أحدث الملفات.

- تحسين التنظيف التاريخ *أوبرا*.

- تحسين وظائف تخطي UAC.

- نظام محسن استعادة الكشف عن الروتين.

- تحسين الدعم حجم الشاشة صغر .

- تحسين التعريب ودعم اللغة.

- تحسينات واجهة المستخدم الرسومية .

- إصلاحات الشوائب الصغيرة.

متطلبات النظام

يعمل على مايكروسوفت ويندوز 8.1، 8، 7، فيستا وإكس بي. بما في ذلك كل من 32 بت و 64 بت الإصدارات، ولكن ليس طبعات قرص RT.

الصفحة الرئيسية:

http://www.piriform.com

تركيبه ملاحظات:

- تثبيت البرنامج.

- استخدام الكراك لتسجيل

- تم، استمتع !!

 

 

  CCleaner v5.05.5176  With Business + Professional crack

CCleaner is the number-one tool for cleaning your Windows PC. It protects your privacy online and makes your computer faster and more secure. Easy to use and a small, fast download.

Cleans all areas of your Computer

Internet Explorer
Temporary files, history, cookies, Autocomplete form history, index.dat.

Firefox
Temporary files, history, cookies, download history, form history.

Google Chrome
Temporary files, history, cookies, download history, form history.

Opera
Temporary files, history, cookies.

Apple Safari
Temporary files, history, cookies, form history.

Windows
Recycle Bin, Recent Documents, Temporary files and Log files.

Registry Cleaner
Advanced features to remove unused and old registry entries.


Release Notes

v5.04.5151 (25 Mar 2015)
- Added Include items option to ignore newer files.
- Improved Opera history cleaning.
- Improved Skip UAC functionality.
- Optimized system restore detection routine.
- Improved small screen size support.
- Improved localization and language support.
- Minor GUI Improvements.
- Minor bug fixes.


System Requirements
Runs on Microsoft Windows 8.1, 8, 7, Vista and XP. Including both 32-bit and 64-bit versions, but not RT tablet editions.


Homepage:
http://www.piriform.com


Instal Notes:

- Install program.
- Use crack to register
- Done, Enjoy!!

 

 

   


لتحميل البرنامج

http://www.gulfup.com/?PRmXZB

uTorrent PRO v3.4.3 build 40212 Beta Multilingual + Crack



uTorrent PRO v3.4.3 build 40212 Beta Multilingual + Crack

 MultilingualuTorrent PRO هي واحدة من الحلول الأكثر شعبية بالنسبة للتورنت. برنامج يجمع بين الأداء الوظيفي الأمثل مع كمية صغيرة. تدعم عمل بغض النظر عن المتنزهين، يتيح لك تحميل ملفات متعددة في وقت واحد، لديه عرض النطاق الترددي للتخصيص، واستعادة سريعة لانقطاع التحميل، وأكثر من ذلك.أصبحت واحدة من أفضل أوتورنت مريحة، مدروسة، واجهة جميلة جدا واستجابة سريعة لإجراءات المستخدم. وهو يدعم جميع الوظائف اللازمة للعمل في تورنت P2P شبكة.هناك بعض الميزات:أوتورنت يدعم تحميل الموازي.الاستخدام الرشيد للعرض النطاق الترددي ويسمح لك لتخصيصه.أوتورنت تدير المهام المدمجة في المجدول ؛أوتورنت لديه القدرة على تعيين أولوية المرور وضبط السرعة؛لديها ميزات وقف  واستئناف التحميل.أوتورنت تدعم UPnP و NAT-PMP، وكذلك ملحقات بروتوكول شعبية.لديها انخفاض استهلاك الذاكرة وصغر حجم البرنامج؛يدعم قراءة RSS--إعلانات.يتفاعل مع زبائن آخرين دون الحاجة لتعقب الرئيسي (DHT)؛أوتورنت يدعم التشفير البروتوكول؛واجهة أوتورنت دعمت أمر التغيير وإمكانية الترجمة إلى لغات أخرى. أوتورنت متكاملة للتحكم عن بعد عبر HTTP-البروتوكول، وذلك باستخدام شبكة الإنترنت واجهة (WebUI)؛أوتورنت يعمل في كافة إصدارات نظام التشغيل ويندوز؛ومن الممكن أيضا استخدام أوتورنت في لينكس .أوتورنت تدير المهام هو واحد من عملاء تورنت الأكثر شعبية، مع الكثير من الميزات مثل تحديد الأولويات عرض النطاق الترددي، RSS  في تحميل والجدولة والخطوط الرئيسية  (والذي يتوافق مع التورنت الاخرة المعروفة).
ملامح السيل:- التنزيلات
متعددة في وقت واحد - عرض النطاق الترددي
- سريعة.. يستأنف توقف التحويلات- RSS تحميل- دعم Trackerless (الخطوط الرئيسية DHT)
uTorrent PRO- تيار الفور
 
مشاهدة أو  المعاينة لأنهاء تنزيل، دون انتظار لملف الانتهاء.- تحويل، تحميل واللعب في العديد من الأشكال
 
ويشمل
uTorrent برو وسائل الإعلام  HD أو تحويل للعب على أي جهاز محمول.- ملامح جديدة فاخرة
 
uTorrent برو  إضافة ميزات جديدة. التمتع بها دون أي تكلفة اضافية.- الحماية من الفيروسات
 
الحفاظ على جهاز الكمبيوتر الخاص بك آمنة عن طريق المسح الضوئي تلقائيا بتحميل بحثا عن الفيروسات والبرامج الخبيثة.- الوصول المبكر
 
الحصول على التحديثات والميزات المتطورة قبل أي شخص آخر.- لا إعلانات
 
كمستخدم برو ومؤيد من
uTorrent، يمكنك التمتع بتجربة خالية من الاعلانات.Langpacks: الألبانية، العربية، الأذربيجانية، الباسك، البيلاروسية، البوسنية، البلغارية، الكاتالانية، الصينية (المبسطة) والصينية (التقليدية)، الكرواتية، التشيكية، الدانمركية، الهولندية، الإستونية، الفنلندية، الفرنسية، الفريزية، الجاليكية، الألمانية، اليونانية، العبرية، الهنغارية، الآيسلندية، الإيطالية، اليابانية، الكورية، اللاتفية، الليتوانية، المقدونية، الملايو، النرويجية، الفارسية، البولندية، البرتغالية (البرازيل)، البرتغالية (البرتغال)، الرومانية، الروسية، الصربية (السيريلية)، الصربية (اللاتينية)، السلوفاكية، السلوفينية، الإسبانية، السويدية، تايوان، التايلاندية، التركية، الأوكرانية، بلنسية، الفيتنامية.




uTorrent PRO v3.4.3 build 40212 Beta Multilingual + Crack



Torrent - un simple, rapide et compact torrent Klent. Client uTorrent, aujourd'hui, est l'une des solutions les plus populaires pour BitTorrent réseau. Le programme combine une fonctionnalité optimale avec une petite quantité. Prend en charge le travail indépendamment des randonneurs, vous permet de télécharger plusieurs fichiers à la fois, a une bande passante personnalisable, la restauration rapide des téléchargements interrompus, et plus encore.Un des meilleurs uTorrent est devenu une pratique, bien pensé, très belle interface et une réponse rapide aux actions des utilisateurs. Il prend en charge toutes les fonctions nécessaires pour un fonctionnement BitTorrent P2P-réseau.Il ya quelques caractéristiques:uTorrent supporte le chargement parallèle;Utilisation rationnelle de la bande passante et vous permet de personnaliser;Programmateur intégré uTorrent gère les tâches;uTorrent a la capacité de définir la priorité du trafic et régler la vitesse;Il a dispose d'un arrêt rapide et reprendre les téléchargements;uTorrent prend en charge UPnP et NAT-PMP, ainsi que des extensions de protocoles populaires;Il a une faible consommation de mémoire et la petite taille du programme;Prend en charge la lecture de flux RSS et télécharger Torrent-annonces;Interagit avec d'autres clients sans avoir besoin de le tracker principale (DHT);uTorrent soutient le cryptage du protocole;Interface uTorrent a soutenu l'ordre de modification et la possibilité de traduction dans d'autres langues;Dans uTorrent intégré contrôle à distance via protocole HTTP, en utilisant l'interface web (interface Web);uTorrent fonctionne dans toutes les versions de système d'exploitation Windows;Il est également possible d'utiliser uTorrent sous Linux en utilisant Wine.uTorrent est l'un des clients BitTorrent les plus populaires, avec beaucoup de fonctionnalités telles que la bande passante priorités, auto-RSS téléchargement, l'ordonnancement et Mainline DHT (qui est compatible avec BitComet, un autre client BitTorrent bien connu), le cryptage du protocole spécification commune (également utilisé Azureus 4.7.0.0 et par-dessus, BitComet 1.30 +) et l'échange de pairs.uTorrent a été écrit avec efficacité à l'esprit. Contrairement à de nombreux clients torrent, il ne monopolise pas les ressources précieuses du système - typiquement en utilisant moins de 6 Mo de mémoire, vous permettant d'utiliser l'ordinateur comme se il ne était pas là du tout. En outre, le programme lui-même est contenu dans un seul exécutable de moins de 750 Ko.Caractéristiques de uTorrent:- téléchargements simultanés multiples- Configurable bande passante ordonnanceur- Global et par-torrent vitesse limite- Quick-reprend transferts interrompus- RSS Downloader- Le soutien de traqueur (Mainline DHT)uTorrent PRO- Diffusent instantanément
 
Regarder ou aperçu torrents comme ils téléchargent, sans attendre le dossier complet.- Convertir, télécharger et jouer dans de nombreux formats
 
uTorrent Pro inclut un lecteur multimédia HD ou convertir à jouer sur ne importe quel appareil mobile.- Prime Nouvelles fonctionnalités
 
uTorrent Pro est toujours ajouter de nouvelles fonctionnalités. Profitez-en sans frais supplémentaires.- Protection Anti-Virus
 
Gardez votre PC en toute sécurité en analysant automatiquement les téléchargements de virus et de logiciels malveillants.- Early Access
 
Accédez aux mises à jour et fonctionnalités de pointe avant tout le monde.- Pas de publicités
 
Comme un utilisateur Pro et un partisan de uTorrent, vous pouvez profiter d'une expérience sans publicité.Langpacks: albanais, arabe, azerbaïdjanais, basques, biélorusses, bosniaque, bulgare, catalan, chinois (simplifié), chinois (traditionnel), croate, tchèque, danois, néerlandais, estonien, finnois, français, frison, galicien, allemand, grec, hébreu, hongrois, islandais, italien, japonais, coréen, letton, lituanien, macédonien, le malais, norvégien, persan, polonais, portugais (Brésil), portugais (Portugal), roumain, russe, serbe (cyrillique), serbe (latin), slovaque, slovène, espagnol, suédois, Taiwan, thaï, turc, ukrainien, Valence, vietnamien.


 

   


لتحميل البرنامج

http://www.gulfup.com/?PRmXZB